الكلمة.. في أي لغة هي فقط كلمة، لا وزن لها ولا معنى إلا بما يريده قائلها. إذن نحن من نمنح الكلمات قوة أو ضعفاً، قدرة أو عجزاً، نجعلها كل شيء أو لا شيء.

وصلني هذا المعنى في برنامج حواري (أميركي) تطرق إلى الكلمات العنصرية والنابية التي يستخدمها بغزارة مغنيو الراب؛ وقد أصر نجم الراب ضيف الحلقة، على الدفاع عن نهج شباب جيله في استخدام الكلمات التي يرفضها الآخرون، لأنه على قناعة أن الاستخدام المفرط والمتكرر لكلمات كهذه فى أغانيه يجعلها خاوية بلا معنى، وبالتالي يفقدها التأثير الذي انتقل لها عبر الأجيال! وهو الأساس الذي انطلق منه هذا الفن، حيث يستطيع المؤدي استخدام أي لفظ من دون أي تحفظ.

حقيقة أعجبني الطرح، فتلك النظرة الفلسفية التي تعامل بها مغني الراب مع الكلمات، ومنح القوة أو حجبها، واعتبار النتيجة الواقعة من أثر هذه الكلمات هو خيارنا وليس خيار الحروف، هو ما راقني؛ ولكن إعجابي بالطرح لم يمنعني من التفكير طويلاً في حقيقته أو واقعيته أو إمكانية تحقيقه؛ فهل فعلاً لو أطلق أحد منا كلمة تحمل معنى جارحاً (بذيئة أو عنصرية) بشكل متكرر لمدة ساعة كاملة في وجه آخر، هل هذا التكرار يعني غياب الأثر للكلمة في نفس المتلقي؟!
لم أتمكن من تقديم إجابة مطلقة، فهناك بالفعل من المتلقين من يتبلد شعورهم أمام الكلمة المزعجة من تكرارها، فلا يعد الأمر يعنيهم، وتتحول (السبة) بشكل أو بآخر وكأنها حرف عطف أو شبح غير مرئي في زحمة الكلمات والجُمل؛ في حين أن آخرين تبقى للكلمة لديهم ذات الوقع مع كل مرة تتكرر فيها؛ وبصراحة أجد نفسي من هذه الفئة، رغم إعجابي بالطرح الفلسفي السابق، ولكني أعتقد أنه سيظل فلسفياً لا مجال لتحقيقه على أرض الواقع، على الأقل في حياتي.

وعلى ما يبدو أن (الرابير) أو كُتاب كلمات أغاني الراب، ليسوا هم فقط من يذهبون في اتجاه تفريغ الكلمات من قسوتها الموروثة، وإبطال قوتها التي اكتسبتها عبر الزمن، فحتى كُتاب الروايات، يذهبون بنا في هذا الاتجاه أيضاً، وإن كنت لا أظن أنهم يحملون نفس الفلسفة؛ فاللغة في الأعمال الروائية ليست مطواعاً للكاتب -مجازياً-، إنما هي فرض تُقدمه شخصيات النص، كل حسب بيئته وعمره وجنسه ومستواه الفكري، ولذا فإن كلمات نابية وبذيئة عندما تصدر من نادلة في بار ليلي هذا أمر طبيعي تماماً لا خلاف عليه، بل بالعكس غياب هذه التفاصيل في لغة الشخصية شيء يُضعف العمل.

غير أن ذلك لا يعني أن يصبح هذا اللون من الكلمات هو الغالب على جو النص، لتخرج لك كلمة بين صفحة وأخرى تلقى في وجهك بكيس قمامة من دون أدنى ذنب سوى أنك قررت ممارسة حقك في التعرف إلى آداب الآخرين وإبداعهم؛ فهذا غير مقبول تماماً؛ فالمبدع الحقيقي هو من ينتقي ما يصيب مقصده مهما كان، ولكن بلغة الأدب.


Als.almenhaly@admedia.ae