صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أنانيون

البعض من الناس أناني، ذاتي، لا يهمه إن تجاوز حدوداً أو حطم قوانين أو انتهك مقدرات وطن· فالمشهد الرائع والجميل للبلد يصفع في كل يوم بانحرافات شذذ، يذهبون إلى الأمكنة للتبضع أو الفرجة، يقفون أمام المحال والأبنية التجارية وهم قلقون، متوترون، عازفون عن اختيار الأماكن المخصصة لمواقف السيارات، غارقون في اللهو، والعبث بمقدرات الوطن، لا مبالين بأهمية المكان وفداحة الخسائر التي يكبدونها الدولة عندما يصعدون بدباباتهم المدرعة على الأرصفة والحواجز، فالواحد من هؤلاء يودع سيارته ويسير متباهياً متبختراً لأنه صعد على رصيف أو أسكن سيارته في الممنوع، أو مال بها خلف سيارة شخص آخر، لا يعلم ظروفه وأحواله· الواحد من هؤلاء خُلق هكذا ونشأ على هذه الأخلاق المتعالية، حتى على القوانين والنظم المرورية، فلا يلتفت لأحد ولا يستمع لصوت، بل هو صوت شاذ نشاز خارج عن طاعة القيم والتقاليد، هو هكذا عزوف عن احترام وتقدير كل ما هو متاح من إمكانات سخرت من أجل راحة الناس، لا من أجل أيد تعبث وعقول تحنث، ونفوس مريضة، مشحونة بعقد النقص وتراكمات واختلالات وانحلالات أخلاقية لا تتناسب مع المشهد الحضاري الذي تتحلى به بلادنا· الواحد من هؤلاء أخذ على نفسه عهداً بأن لا يغادر منزله إلا وأودع الضمير في ثلاجة الموتى، وخرج هكذا خاوياً مفرغاً من المشاعر الإنسانية الراقية· الواحد من هؤلاء يهيم وجداً وسعداً عندما يفرك عجلات سيارته الرصيف، وتسحق البلاط بعنف، ويمحق الألوان الزاهية بأضراس كأنها أنياب الضواري ومخالب الشرسات المفترسات· الواحد من هؤلاء بينه وبين الجمال عداوة مزمنة وخصام أشد من الشيطان للنظافة· الواحد من هؤلاء يكن حقداً مدمراً ضد القانون ما تسنه الشرائع والنظم من أسس تنظم علاقة الإنسان ومقدرات الأرض التي يسير عليها· الواحد من هؤلاء يمارس هواية التدمير والتخريب كمن يمارس هواية التزحلق على الرمال أو من يمارس هواية الجمباز، وأحياناً قد يخاطر بنفسه وبمن معه من أفراد أسرته ولا يبالي، المهم أن يشعر بالفخر والعزة عندما يحقق نوايا نفسه المريضة الخربة· الواحد من هؤلاء يسوق الحجج والأعذار الواهية بعدم توافر المرافق فيمنح نفسه الحق في أن يغتصب حقاً بغير حق، وأن يحتل مكاناً غير مكانه وأن يستولي على الحق العام بنفس راضية مطمئنة لا يؤنبها ضمير ولا يعذبها قرار اتخذ خطأ وكلف الدولة جهداً ومالاً· الواحد من هؤلاء يغادر منزله وقد دس في جيبه حزمة أعذار تكون جاهزة ساعة وصوله الى أي موقع أو محل تجاري أو مؤسسة حكومية فيبرزها أمام نفسه، ولا يسعه إلا أن يبادر في التجاوز واتخاذ القرار الصعب وإصدار الحكم النهائي·· بأنه لا مجال إلا الوقوف في أي مكان·· هذه فئات لم تردعها مخالفات مرورية ولم تصدها تحذيرات وإنذارات·· هذه فئات تجمدت مشاعرها، بحاجة إلى وسائل ردع أكثر صرامة لأنه ''ما يفل الحديد إلا الحديد''

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء