لي صديق بدوي جميل وعفوي من بدع زايد، وأحبه وأطرب له لأنه صافٍ، ولا يعرف إلا الخير والبشارة، له تعليقاته الهزلية على الأشياء، وله تعابيره الخاصة المضحكة والتي لا يفتعلها، إنما تأتي عفو الخاطر، لكنه يعتقد أنها تعبر عن اللحظة، وأنها المناسبة في وقتها، كأن يقول لشخص مادحاً: “ما عليك.. تراه اسبيشل أوردر” أو يشاهد مذيعة في الـ”إل. بي. سي” ويصرخ: “هلوو.. بيروت من فضلك يا عينيّه” أو يشاهد رجلاً متعافياً فيقول: “هالحمر اللي تشوفه، تراه كله من الحمبص والبرتقان وتنكة الزيت”!
هذا الصديق بين هزله وجده، نصحني مرة، وقال: “ أسمع مني.. إن كنت تحب الفن والكيف، روح كييف، وكيّف هناك، وشوف صيفها، طبّك من كلامك اللي ما تغيير أنت ومحيميد ربيعك من أيام مدرسة المطوع بن سلاّم، بنتريا لين يقيض النغال، وإلا بنستطعم من ثمر الأمباه الخيلي أو لين تبلغ السفريله، وإلا بنطعم الأمبّو هالسنة، شخط تذكرتك وصيّف في كييف، وأدغش هناك اللي تباه، وشوف كيف بيعتدل كيفك، لا بتلقى ولد عمها حاطنك نصب عينه واليهامة، لا سكتون مصوب تحت أذنك، ولا شوزن يمكن أن تنخل صدرك، ألف دورار ومخلاتك على كتفك، ووين ما هبت عليك ذرت، لا بدوية تنششك من الفجر، وأتزلّ في بطنك دلة قهوة على الريق، وتلزم عليك تهلّ من رأسك قصيد مب مقتنع به عن طعوس ورمول ونقيان، تركّب عليها أشجار ما تنقض، ولا ترّوَح السيل، اتمّ تتريا نفة مطر مثل هلال العيد، ولا بنت عمك تغبشّك وياها تسرّحون هوشكم ودبشكم للمرعى، تبقى تتضارب مع شياطين فكرك، وتلعب بعقوصك، وتجر ربابتك، وتنزل زيارينك لتكسو فلاة ما لها أول من آخر أو سبخة ميتة من الملح بالخضرة والورد والرياحين، ويوم تخلص القصيدة، ويسكت وتر الربابة ما تشوف حولك إلا الذاريات وهبوبها.
روح هناك.. وشوف، المطر صبيب، وعينك ما تشوف إلا ما يسرها، والخضرة على مد بصرك، والشرتا والنسناس تراك ما بتروَحّها إلا هناك، وهي اللي بترقّد جفنك، ويوم بتتوقظ من رقادك ما بتشتكي والله من ضلوعك، وإلا لجعات في خاصرتك، هناك لا مكيف يبات يصهل على رأسك، ولا رطوبة بتبريد عظامك.
وإن بغيت من التويسات الجبلية الصغيرة اللي تنقرض عظامها قرض، تراك بتلقى، وإن هفّتك نفسك على لحم غزلان إبشر بالشبب، وخبزهم خبز بُرّ وتنور، واليحة هندهم كبر رأس الثور، وطعمها حلو وتييك باردة، وإذا بغيت توسد ضرسك من الفواكه تراه عندهم أشكال وأرناق، أسمع شوري وسر عشرة أيام وإن ما زدتها، ما أكون فلان، ومقيض العين وصعرا والباطنة وحتا تراك ملاحق عليه..”!


amood8@yahoo.com