''لينز'' مدينة نمساوية صغيرة، استفاقت ذات صباح لتجد بقعة غير مستحبة فوق جبينها· فقد تلقت بلدية المدينة رسالة مغفلة تشير إلى أن تمثال أفروديت المنصوب في حديقتها العامة، هو هدية من أدولف هتلر منذ العام ،1942 عندما كانت النمسا تابعة للرايخ الثالث· تحققت البلدية من الأمر، وقررت إزالة البقعة المستهجنة على الفور، بإعادة تمثال الهة الحب اليونانية إلى المخازن· قدمت المدينة النمساوية بهذا التصرف نموذجاً أوروبياً معتمداً، لبلسمة الجراح وإزالة الآثار العالقة من حقبها السوداء· فهل ستتمكن القارة العجوز، بهذا الأسلوب، التخلص يوماً من آثامها التاريخية ؟ يقع هذا السؤال خارج الصورة المعاصرة للقارة الأكثر نضارة في الكرة الأرضية· القارة المحتضنة لتراث الديمقراطية العريق، والحامية لحقوق وحريات البشر، أفراداً وجماعات، والمؤسسة للمدنيات الحديثة بما تغتني به من علم وفن وقوانين تستمد شرعيتها من عقود اجتماعية راسخة· لكن الإثم الذي نشأت في أحضانه هذه الصورة، يجعل من النخب الأوروبية أسيرة لأزمة ضمير متمادية، تدفع بها إلى الاسترخاء أمام الأطباء النفسيين في جلسات علاج تستهدف التخفيف عن الإثم وليس معالجة الضحية· لا تخجل النخب الأوروبية من الإقرار بكل المساوئ الأيديولوجية والمادية التي أورثتها للشعوب· فالنازية والفاشية هما ظاهرتان أوروبيتان· وقبلهما كان الاستعمار القديم والحديث، والحروب الدينية ومسببات الحروب الأهلية، والفصل العنصري، ونهب الثروات، ومشروعات التقسيم الإثنية، ونهوض الرأسمالية المتوحشة·· تقرّ النخب الأوروبية، بما جنته قارتهم على بقية شعوب الأرض خصوصاً في البلاد التي خضعت للاستعمار، ثم تسارع إلى الطبيب النفسي لكي تزيل عن جدران بنيانها ما علق بها من أدران، بعلاجات سهلة: تقديم اعتذارات ناقصة، أو غير مكتملة، عن الحروب الصليبية مثلاً· أو تحويل قضايا حقوق الإنسان إلى أيقونة إعلامية مثلاً ثانياً· أو تنظيم الجهود لتقديم مساعدات لضحايا الكوارث الطبيعية والحربية مثلاً ثالثاً· وغالباً ما تبدو مثل هذه العلاجات فعالة لضمير الأوروبيين إلا ما يتعلق منها بالحقبة النازية وتداعيات حدث ''المحرقة'' خلالها· فالتخلص من آثار هذا الإثم، يحتاج إلى أكثر من الأطباء النفسيين·· يحتاج إلى ''محرقة'' أخرى تفني فيها أوروبا ذاكرتها الموجوعة·· بحملة تشبه ''مطاردة الساحرات''، وهو أسلوب أوروبي كلاسيكي نشأ ما بين عامي 1450 و1700 خلال اضطرابات الإصلاح وحرب الثلاثين عاماً، وأسفر عن عشرات الآلاف من عمليات الإعدام· أوروبا تعدم اليوم تمثال أفروديت بوضعه في المخزن، ولا ترفع وصمة الإدانة بالنازية عن أحد أهم موسيقييها ريتشارد فاغنر، وتدفع أحد ألمع كتابها غونتر غراس إلى ختام حياته الأدبية بالتكفير عن ميوله المؤيدة للرايخ كما جاء في كتابه ''أثناء تقشير البصل''·· ولا تنسى أبداً أن تذهب إلى الطبيب النفسي، فعلاج الآثم أولى من معالجة الضحية· adelk58@hotmail.com