الخبرات التي يراكمها الإنسان في يومياته تصبح مع الزمن ملكاً له وحده. بها يقيس ويحكم ويتصرف ويتخذ القرارات. والبشر لا يكشفون في العادة عن تجاربهم الشخصية ولا عن المواقف التي يتعرضون إليها في تعاملاتهم مع الوجود إلا إلى القلة القليلة من المقربين إليهم. وهناك بشر يغلفهم الصمت طيلة حياتهم ويموتون وتموت خبراتهم معهم ولا يعود يعرفها أو يعرف عنها أحد.
كل حياة بشرية تستحق أن تروى لأنها تحمل الكثير من التفاصيل المتفردة والنادرة بما يجعلها درساً لجميع البشر. وسواء غصنا في حياة رجل مشرد قضى عمره مركوناً على رصيف الدنيا، أو تعرفنا إلى تجربة امرأة تسلقت الجبال بالحبال، فإن هذه الحيوات الإنسانية ستكشف لنا مناطق جديدة من الوعي لا يعرفها غيرهم. ولنا أن نتخيل كم هي زهيدة وفقيرة المعرفة البشرية لأن معظم الناس لا يبوحون بما يعرفونه ولا يدونون هذه الخبرات إلا في النادر.
كان الأدب في الماضي مخزن التجارب الإنسانية ومصدر تعرفنا إليها، حيث قدم لنا من خلال القصص والحكايات الكثير والكثير، ومع تطور الأدب الحديث وانتشار الرواية والقصة القصيرة صرنا نعرف عن التفاصيل الدقيقة والصغيرة جداً التي يتعرض لها الناس في لحظاتهم وانتقلت اهتمامات الأدباء من بناء الروايات أو الأعمال أو القصائد الملحمية الضخمة، إلى التركيز على الجوانب المهملة في المشهد اليومي العادي مع الانحياز الكامل لبث الواقعية في هذه الأعمال، واحتاجت الواقعية إلى المزيد من التفاصيل لبث الحياة والنبض في الأدب الحديث وكان التركيز على الحواس الخمس إحدى الوسائل والشروط التي لجأ إليها الأدباء لإضفاء الواقعية والصدقية والحياة في قصصهم.
وكلما تمكن الكاتب من رصد تفاعلات الحواس الخمس للإنسان في المشهد الدرامي كلما اقترب أكثر من القارئ. وعلى سبيل المثال قد يوصف البطل في قصة حب حديثه بأنه شعر بقطرات العرق على رقبته وبجفاف في الحلق وبارتجافة خفيفة في ساقه اليسرى عندما وقف أمام باب حبيبته بعد 3 سنوات من الغياب. وقبل أن يدق الباب سمع صوتاً داخلياً يقول له: انتظر، ولاحظ أن الباب مشروخ وعليه آثار رفسة حذاء.
إن توظيف الحواس بهذه الطريقة يعطي القارئ الفرصة لكي يعيش تفاصيل الحدث ودقائقه الصغيرة وبالتالي ينقله للتعرف إلى التجربة الإنسانية التي عاشها البطل.
مع ذلك، لا يقدم الأدب كل التجارب، لأن البشر في كل لحظة يراكمون خبرات لا يعرفها أحد، خبرات ومعارف ليست فقط في الحواس الخمس وإنما في الخيال أيضاً وهناك خبرات لا يرصدها حتى الإنسان الذي يعيشها.


akhozam@yahoo.com