إن أول ما ينتاب الكثيرين منا حين يقرأون عن حادثة ضحيتها طفل أو طفلة صغيرة تعرضا إما لدهس تحت عجلات حافلة أو للتحرش، هو ذلك الشعور بالأسى تجاه هؤلاء الطلاب لأنهم عرضة للخطر باستمرار ولأنهم لا يملكون الحصانات الضرورية لمواجهة تلك الأخطار.
فمنذ اليوم الأول لولادته يبدأ الصراع على مسألة تربيته والاهتمام به؛ لأن الأم ستعود إلى عملها بعد شهرين من الولادة، بعد أن انتهت إجازة الوضع أو (إجازة الأمومة ) وعليها أن تتصرف بأية طريقة، والطريقة المتاحة والمتداولة اجتماعيا هي وجود الخادمة التي ستحل المشكلة وستحتل المساحة الكبرى في حياة هذا الطفل منذ مغادرة أمه صباحا وحتى عودتها من العمل عصرا.
تستمر الحياة على هذا المنوال ويزداد تباعد الأم عن طفلها والاكتفاء بالأمور الأساسية وتبقى مسائل حساسة جدا تتعامل معها الخادمة بلا أدنى حرج أو اعتراض من قبل الوالدين، وهذه هي البداية لمصائب كثيرة أخرى ستتوالى على هذا الطفل فيما بعد، في ظل غياب الوالدين واكتفائهم بمهمة توفير الاحتياجات والألعاب وغيرها، أما الخادمة فنمنحها لقب مربية دون أن تكون لها علاقة بالتربية لا من قريب ولا من بعيد، من هنا يبدأ التخريب الممنهج لشخصية الطفل!!
يبدأ الطفل في الذهاب إلى الحضانة وما أدراك ما الحضانة؟، ومن هم العاملات فيها؟ ثم تبدأ الروضة وبعدها تبدأ رحلة المدرسة التي ستستغرق اثنتي عشرة سنة من عمره، فيها من التجارب والأحداث والأشخاص والصدمات الكثير جدا، وكلها ستبقى راسخة في وعيه وفي ذاكرته وستترك آثارا لن تنسى أبدا، خاصة حين لا يجد الرعاية الأسرية والمتابعة والتوجيه، وحين يترك الطفل مجددا في عهدة الخادمة طيلة الوقت وفي عهدة السائق وأبناء الجيران والأصدقاء والزملاء.
لننظر حولنا ونتأمل نوعية الأخطار التي تحيط بأبنائنا من خلال كمية الأخبار التي تنشر يوميا، والتي يتناقلها الناس في مجالسهم: التحرش أو الاعتداء الجنسي، خاصة إذا كان الطلاب صغارا وغير محصنين بشكل يجعلهم يدفعون الأذى عن أنفسهم فيتقبلونه بصمت وهنا تكمن الكارثة، العنف المدرسي من قبل زملائهم، فقد أثبتت الدراسات أن نصف الطلاب يعتدون على زملائهم في المدارس، أي أن نصف طلابنا يتعرضون للعنف اليومي، أما الخادمات فقد ثبت أن كثيرات منهن يشكلن أخطارا حقيقية عن طريق التأثير في قيمهم ولغتهم وعاداتهم، ومعاملتهم بعنف شديد في غياب الوالدين، إضافة إلى استغلالهم جنسيا.
إن عمل المرأة في بعض الحالات قد تسبب في الكثير من هذه الإشكالات الخطيرة، خاصة حين يستهلك هذا العمل ما يقارب من 70% من اليوم و 80% من صحة المرأة الجسدية والنفسية، وبالتالي لا يتبقى للأولاد والبيت والزوج إلا أقل القليل، دون أن ننسى أن الأب غائب طيلة اليوم، فهو موزع بين العمل ومجلس الأصدقاء وجلسة “الكوفي” التي صارت طقسا جديدا في حياة الرجال!
كل يوم نسمع قصة أو مصيبة يتعرض لها هؤلاء الأبناء، وإذا لم نقف بصدق لمواجهة هذا كله، فنحن في مواجهة كارثة حقيقية.


ayya-222@hotmail.com