أتذكر مولد صلاح عبد الصبور في مطلع مايو من كل عام. كنا نحتفل بعيد ميلاده في الجمعية الأدبية المصرية التي لعبت دوراً بالغ الأهمية في تكويني الثقافي وفي الحياة الثقافية المصرية على السواء. وكنا نعقد أغلب احتفالاتنا في مكتب فاروق خورشيد أقرب أعضاء الجمعية إلى قلب صلاح الذي كان أشعر أبناء جيله وأعضاء الجمعية الأدبية الذين كانوا يمارسون كتابة الشعر أحيانا. وأذكر منهم أحمد كمال زكي وعز الدين إسماعيل وغيرهم. ولكن لا أحد منهم وصل إلى قامة صلاح عبد الصبور وشهرته. وأذكر كيف كان صلاح، إذا هدأ ضجيج الاحتفال، يبدأ في إنشاد شعره الغنائي. وكم كنت أنتشي والأصدقاء الأكبر سنا مني، وأنا أستمع إلى قصائده، يلقيها بجماع قلبه ووجدانه. وقد كان صلاح، رحمه الله، يرى في الشعر حياته، وحياته في الشعر. ولا يزال صوته يرن في أذني، أكاد أسمعه الآن وأنا أكتب هذا العمود. وكان يسعد بي عندما أناقشه في جماليات شعره، وأذكر مرة أننا قضينا وقتاً في المقارنة بين قصيدة “مذكرات عجيب بن الخصيب” وإحدى لوحات جويا. وكان السبب الأسطر التي أكتبها من الذاكرة ومطلعها “لم أرث الملك بحد السيف” ويمضي فيها قناع عجيب بن الخصيب بذكر الشبه الذي يربطه بأبيه فلا يجده. فيقول “ولكنى أشبهه في لوحة رسمها رسامه.. رسامه كان عشيق الملكة”. وكنت أذكر صلاح بأمثولة لوحة رسمها جويا للعائلة المالكة، وجعل الابن أكثر شبها من رئيس الوزراء، وليس الملك، كناية عن معنى ماكر أراد جويا توصيله. ولا أزال أذكر أن صلاح كان يحدثنا في الأمسيات التي تجمعنا عن حاجة الثقافة العربية إلى وجود مجلة دورية متخصصة في النقد الأدبي التطبيقي والنظري على السواء، وتكون هذه الدورية بمثابة مدفعية ثقيلة في النقد الأدبى. وقد نفّذ ما كان يحلم به فعلا، عندما أوكل إلى صديق عمره عز الدين إسماعيل رئاسة تحرير هذه المجلة، واختارني نائبا لرئيس التحرير، واختار عز الدين إسماعيل صلاح فضل نائبا آخر. وقد ضمنا الاجتماع التأسيسي الأول الذي انتهى إلى اختيار “فصول” اسما للمجلة بوصفها مجلة فصلية تصدر كل ثلاثة أشهر. وقد رعى صلاح هذه المجلة، ووضع كل إمكانيات الهيئة العامة للكتاب ليجعل منها مجلة متميزة. وكان على عز الدين إسماعيل رئيس التحرير، وعليّ شخصيا مع صلاح فضل عبء نيابة رئيس التحرير. وقد اخترنا أن يكون للمجلة موضوع خاص بكل عدد، وجعلنا العدد الأول خاصا بالتراث. وبذلت مجهوداً كبيراً في الاتصال بالكتاب مع صلاح فضل، ونجحنا في جمع عدد ضخم من المقالات. وعندئذ ظهرت أولى مشكلات المجلة. وللحديث بقية.