قام أصحاب مزارع الأبقار ومنتجو الألبان بالقرب من مدينة سناي البلجيكية خلال الأيام القليلة الماضية بإهراق أكثر من ثلاثة ملايين ليتر من الحليب في الحقول المجاورة. وقبل ذلك قاموا بسكب آلاف الجالونات من الحليب في الشوارع المؤدية والمجاورة لمقر الاتحاد الأوروبي، أحتجاجاً علي انهيار أسعار الألبان. تزامن هذا المسلك مع صدور تقرير لبرنامج الغذاء العالمي يحذر من اتساع رقعة الجياع في العالم، حيث ذكر التقرير، اتساع الهوة بين إنتاج الغذاء واستهلاكه بصورة غير مسبوقة منذ أكثر من 20 عاما. وأشار التقرير إلى أن نحو مليار شخص حول العالم سيعضهم الجوع، وأنه بحاجة إلى ثلاثة مليارات دولار لسد العجز في ميزانية البرنامج للوفاء بالتزاماته نحو المهددين بالمجاعة، وخاصة في كينيا وجواتيمالا. هذا التصرف من قبل المنتجين في بلجيكا مر مرور الكرام ، بينما لم يكن ليمر لو أنه كان في أحد بلدان العالم الثالث، وقامت به من أجل سبب اقتصادي بحت لحماية الأسعار كالذي ساقه المنتجون البلجيكيون. ويبدو أن هذه الممارسة شائعة في أوروبا والولايات المتحدة، حيث نجد أن كميات مهولة من الأغذية تهدر لمجرد الاختلاف على أسعار بيعها للمستهلكين. ثم تجد هؤلاء الذين يتبنون هذه الممارسة غير الأخلاقية، يحاولون إقناع الآخرين بضرورة المحافظة على الموارد من دون هدر. ونتذكر قبل سنوات كيف قام منتجو القمح في الولايات المتحدة بإغراق كميات ضخمة في البحر من هذه المادة الحيوية، والتي يعتمد عليها عشرات الملايين من الأشخاص كغداء لهم في مناطق مختلفة من العالم. وكان العالم قد شهد العام الماضي عقد قمة الغذاء بدعوة من منظمة الأغذية والزراعة في العاصمة الإيطالية روما حيث مقر المنظمة الدولية ، والتي شاركت فيها 180 دولة من بينهم 44 رئيس دولة، وقد صدر عنها « إعلان روما» الذي حمل تصميم الدول المشاركة على « استخدام كافة السبل لتخفيف المعاناة التي تسببها الأزمة الحالية في الغذاء، وتحفيز إنتاجه وزيادة الاستثمارات في الزراعة». وأكد المشاركون التزامهم بالقضاء على الجوع وضمان الغذاء للجميع «. وفي الإعلان تعهدت حكومات العالم باتخاذ إجراءات طارئة لمنع ارتفاع أسعار الغذاء من دفع ملايين الأشخاص إلى الجوع، وتعزيز الاستثمار في الزراعة من أجل زيادة الإنتاج وتخفيف القيود على تجارة الغذاء والمنتجات الزراعية». وقد جاء انعقاد تلك القمة العام الماضي الذي شهد زيادات هائلة في أسعار الغذاء. وقد حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال هذه الأزمة على تقديم يد العون والمساعدة لعدد من الدول العربية الشقيقة، بتقديم أطنان من المواد الغذائية وخاصة من القمح والدقيق مساهمة منها في تخفيف وطأة الأزمة عليها. واليوم عندما تسمع بممارسات هدر مواد غذائية حيوية كالتي أقدم عليها منتجو الحليب في بلجيكا أوغيرها ، يتبادر الي الأذهان تلك التعهدات التي قطعوها على أنفسهم في قمة الغذاء، والقابلة للتنصل بمجرد تراجع الأسعار، لأن الأمر بالنسبة لهم تجارة بلا التزام أخلاقي.