الكل بانتظار لحظة «ماديبا» الأخيرة. أعدوا عدة الجنازة المهيبة: الخطوط العامة والتفاصيل. بعضهم يستنفر مشاعره الفياضة للحدث الجلل، وبعضهم يتأكد من مشروعاته التجارية التي سيستثمر بها المناسبة الوداعية. كل ذلك يحدث تحت سقف واحد، أو هكذا يفترض. بيت نيلسون مانديلا في رقدته الأخيرة. «ماديبا» الذي أخذ اسمه من عشيرته عندما ورث زعامتها من أبيه، وتعني «العظيم المبجل»، يعيش في صمت مطبق، بينما يتلاطم من حوله الورثة المستعجلون، المحزونون منهم والآثمون. دافيد جيمس سميث، الكاتب البريطاني الذي أعد سيرة حياة الزعيم الأفريقي خلال سنوات كفاحه وسجنه وحريته، زار البيت الواقع في ضاحية «هيوتون» بمدينة جوهانسبرغ، وعاد منه بصورة قاتمة. يقضي العجوز (95 سنة) ساعاته الطوال أمام شاشة التلفزيون. يشاهد ويعيد مشاهدة برامج وثائقية عن الطبيعة وحيواناتها المسالمة والمفترسة. زوجته الثالثة جراسا ميتشل أرملة صديقه الزعيم الموزامبيقي سامورا ميتشل تتولى شؤونه الشخصية من غذاء وخلافه. ماك ماهاراج صديق عمره في النضال والسجن والحرية والحكومة، هو الوحيد الذي يزوره، يتحدث إليه من دون أن يتوقع منه إجابة، وبعد كل زيارة يعود مرتعباً مما ستؤول إليه الأمور بين أفراد «عائلات» مانديلا بعد رحيله. تبدو مجريات الأمور في ذلك البيت الهادئ، فصلاً من رواية ماركيز «وقائع موت معلن». الجميع يعرف أن لحظة العجوز الختامية سوف تحل، وأنهم ينبغي أن يكونوا على استعداد لقطف ثمارها. إنه نوع من التراجيديا السوداء التي أعدتها المقادير لنيلسون مانديلا، في حياته العامة والخاصة على السواء. فعندما تصدر النمر الأسود قيادة كفاح شعبه نحو الحرية والمساواة، كان زواجه الأول ينهار. ثم رافقته زوجته الثانية، ويني، في مراحل حياته الصعبة: المطاردة والسجن. وعندما استعاد حريته تخلت عنه ببساطة من أجل قصة، ما زال رنينها الفضائحي يجلجل. أسرتان، امرأتان وأطفال، من رجل واحد لم يلتقيا أبداً، لم يتحابا مطلقاً. استثمروا أعياد ميلاده في السنوات الأخيرة بطريقة مزرية: حفلات موسيقية صاخبة مدفوعة الأجر، ومنتجات تافهة يشتريها السياح تحمل اسمه، ومشروبات كحولية عليها صورته. وسوف يستغلون مناسبة رحيله بالطريقة نفسها. «إننا نقتل أنفسنا عندما نضيّق خياراتنا في الحياة». عندما أطلق نيلسون مانديلا هذا الشعار المتوهج بالتفاؤل، لم يكن يعرف أن خياراته سوف تؤول في نهاية الأمر إلى كرسي المقعدين أمام شاشة التلفزيون. ربح مانديلا حربه في قضية الحرية. قال إن «الحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حراً أو لا يكون، وأن الإنسان الحر كلما صعد جبلاً عظيماً وجد وراءه جبالاً أخرى يصعدها». بهذا الإيمان أنهى مانديلا التمييز العنصري البغيض في بلاده، واستخلص لشعبه حقه في العيش الكريم وتقرير المصير بعد عقود من القهر والعذاب. صعد كل الجبال الصعبة، لكن الجبل الأخير أعجزه. جبل بيته. مشكلة حياة مانديلا الخاصة، أنها تلتبس في توصيفها عند كثيرين. فهي بالنسبة للبعض نوعاً من المأساة الإغريقية بنزعاتها الفلسفية وخياراتها الأخلاقية، ويرى فيها آخرون نمطاً من الدراما التلفزيونية المسلية soap opera التي تصلح للمسلسلات المكسيكية والتركية.. لكن المؤلم في كلا التوصيفين، أن البطل الذي كتب كل فصول حياته، لن يكون قادراً على كتابة المشهد الأخير. سوف يبقى فوق كرسي عجزه، يحدق في المدى واللاشيء. تذوي سيرته داخله لكنها ممتدة بين الناس. مشهد صاغه قبلاً حنا مينة في «نهاية رجل شجاع». adelk58@hotmail.com