لا يأتي من دون احتساب، هكذا اعتدته.. دائماً ما يحمل أفكاره للنقاش، أو يهديك إصداره الأخير ويرتشف فنجان قهوة ويترك سائر الوقت لكل الاحتمالات، حيث الساحة الثقافية مليئة بتغير المسارات وفضاء المدارات، فالمبدع الصديق أنور الخطيب دائماً ما يحتفي بإصداره الجديد بصورة مثالية، وهذا يعد تكريماً للكلمة المنبثقة من حالة الفكر والإبداع، فكثيراً ما يصافحك بيد ويهديك وردة من حديقته الغناء، فكانت هذه المرة مجموعته الشعرية الأخيرة «كلي عاشق.. ونصفي غريب». أنور الخطيب لديه عدد من الروايات تفوق سائر إصداراته الأدبية، ولكن كثيراً ما يتسيد الشعر لغته الروائية، والشعر أيضاً لا يخلو من السمة الروائية.. وكأن الكتابة لديه منبثقة من دائرة ضوئية كبيرة تشع من خيوطها لتنير المكون الإبداعي. «كلي عاشق.. ونصفي غريب» يجسد ما سبق، والعنوان أقرب إلى العمل الروائي منه إلى المجموعة الشعرية، وهي مجموعته الخامسة، فالتجربة الشعرية أخذت منحى آخر عند إصداره الرابع «شجر ذاهب إلى الريح» فما طرأ عليها من لغة ومصطلحات شعرية مختلفة أنهى بها الشاعر علاقته بالتجربة الأولى المتجسدة بثلاث مجاميع سبقت، وبات في المجموعة الأخيرة ينحت لكل قصيدة لغتها الخاصة ومفهومها الفكري. يتجه أنور الخطيب إلى القلب، ينظر إلى الوطن، يقص شريط الطرق، يهمس بلغة الأرض، يصافح الوجد، وينبش تراب القدس من أجل وضع حجر الحضور، فيهيم في لغة الإنسان والعشق والصور الشعرية مدبلجة بلغة روح الوطن، يثبت على المعنى رغم المصطلحات والتفاصيل الحديثة والرؤية المتجددة.. ففي مقدمة المجموعة يفتح جرح الوطن بعنوان «حديث المورفين في معنى الوطن» ويختتم ملحمته الشعرية قائلاً: «خذوا كل الشعر يا سادتي وامنحوني ساعة.. أطارد فيها فراشة في وطني ولا التقطها...» وفي قصيدة أخرى بعنوان «عزلة التاج» ينسج الشاعر لغة الغربة وعبث الوقت والمتاهة قائلاً: «أفاوض الوهم على وطن لا يعرفني.. لكني فشلت»، وفي جولة أخرى يظهر الشاعر الوطن على عزف آخر «سهرة مع الصعاليك»: «قال صعلوك قادم من خيمة الطلق/ لا غيم في سهرة الصعاليك/ لا ورد لا نساء ولا ماء ولا قماط/ مارسوا الآن لحظة الولادة من رحم عتمة لم يخترقه الضوء، منذ دهر لم أرى الشمس كما ينبغي أن تكون». يدرك القارئ أن الشاعر لا يتوغل به إلا في لغة الوطن، يبحر في عباب الكلمات ليستند إلى حصاد كثير من الدلالات والمخارج الثقافية الناضجة، لأن الشاعر أنور الخطيب ليس بالشاعر القليل الخبرة أو قليل الدراية، فهو شاعر وكاتب محنك اصطفى لنفسه لغة رصينة ومهذبة قل ما يدركها الشعراء أو الكتاب، ورغم إنتاج الأديب أنور الخطيب بذلك الكم والنوعية (11 رواية وخمس مجاميع شعرية وثلاث قصصية ودراستين) إلا أن معالمه الإعلامية العربية تعد قليلة الانتشار، وهذا الجفاء من قبل المنظومة الإعلامية يعرقل المسار الثقافي العربي ككل ويهبط به إلى الأسفل.