من يقرأ سيرة الإنسان منذ بدء الخليقة، وكيف تعامل مع موجودات الحياة ومستخرجات الطبيعة، وما يحيط حياته من علاقات بالآخر، سواء في داخل مجتمعه أو خارج مكانه الجغرافي، سيقف مندهشاً أمام حقيقة واحدة، أنه كلما ارتقى الإنسان فكرياً كمجموع، وتطور حضارياً كمجتمعات، انتكس من جديد في قضايا الشكر والإيمان بالله، ومعرفة فيصل الخير والشر، فكل الأنبياء الذين بعثوا على مسار التاريخ الإنساني، إنما بعثوا ليعيدوا تصحيح مفهوم الإيمان ومعنى الشكر، وحقيقة الشر والخير، وعلاقتهما بخلافة الأرض وإعمارها، لكن يبدو أن هذه الأشياء لا تولد مع الإنسان أو تجري في دمه وجيناته الخلقية، وإلا ظلت باقية في النفوس، وحافظ عليها الكثير، إنما هي نتيجة تربية ونشأة، ونتيجة بيئة مجتمع ومحيط، لذا في الفترات المبشرة بظهور رسول أو بعث نبي أو في وقت الإرهاصات يبقى نفر قليل على المحجة البيضاء، فيما يكون السواد الأعظم في الغي والتيه. وفي التاريخ الإنساني، نجد بعد مئات من السنين على التوحيد، والإيمان الديني، يرتد الإنسان لظروف كثيرة إلى عبادة الوثن، وعبادة الفرد، وظهور الشرك، وطغيان الشر على الخير، فجأة ينتقل الإنسان من النقيض إلى النقيض، وكأن كل تلك السنوات الطويلة والبعيدة من الإيمان ذهبت أدراج الرياح، ولا معنى لقصص التاريخ وأحداث رواياته، ولا قيمة للحروف والكلمات والمزامير وغيرها التي أرسلت لكل نبي أو رسول في قومه. وقد تتبعت سير الأنبياء والرسل فوجدتهم جاءوا من أجل قضية واحدة، وهي الإيمان والهداية، ومن أجل نبذ مظاهر الشرك والغواية، والإنسان طوال هذا الدهر يراوح بين هذه وتلك، ولا يستقر على مفهوم واضح، ومتراكم من تجاربه الإنسانية المختلفة في المكان والزمان على مر الحقب، هل هناك من سبب غير ما يقوله «المتدينون» والبسطاء من إنه الشيطان وأفعاله، ووعيده بضلالة المؤمن؟ وذلك لكي يبرئوا ساحة الإنسان المعني بالمسألة، ويلغوا عقله واختياره، وحكمه على الأشياء، هل هناك أسباب «مادية» مرتبطة بأسئلة غيبية، ومفردات وجودية هي من تجبر الإنسان على أن يحيد عن الصراط المستقيم؟ هل الاختلاف في فهم الناس للمسائل والأمور من وجهات نظر مختلفة هو سبب هذا التذبذب، وانقسام الناس، ونظرتهم التي ترجعهم أحقاباً في التخلف والنكوص لعبادة الصنم والطوطم والتعلق بفلسفات رجال عدّوهم من الصالحين؟ لذا كما تفيد كتب الأنبياء والرسل، وما سطّره المؤرخون، كثيراً ما تتدخل السماء لتعيد الإنسان لمبدأ خلقه وهو عمارة الأرض، وفطرته التي فطر عليها وهي الذكر والدعاء والإيمان والتوحيد، وتهلك الأقوام الذين ضلوا وعتّوا عن أمر ربهم بكوارث طبيعية أو خوارق سماوية لتكون العبرة، ويكون القصاص، وبذا يكون التجديد كسُنة من سنن الحياة من أجل تطهير الأرض، وتطهير النفوس، وتجديد معنى الإيمان، وتثبيت قيمة الخير في الحياة، لأنه سر عمارة الأرض!