عندما تهل الدمعة مبللة الرموش والخد، تغتسل الروح وتعيد الأفكار اتساقها ويتحقق للشرايين أكسجين نقي.. فلولا الدموع، لتحجرت العين، وكذلك القلب، لذابت أرواحنا في كومة من الاسمنت، حيث تجرفنا عقدنا وأثقالنا من أفكار ومبادئ وقيم، بين التشتت والتناقض والخوف وإلغاء المنطق في قياس الأشياء والمواقف والأفعال. في البكاء الأول، بكاء الطفولة ينساب الدمع دون ترقب أو حذر، هكذا ينسكب كأنه من نبع بكر يرسل الحياة إلى شرايين الأرض، حيث ذاتها الدموع ترسل الحياة إلى شرايين الروح وتسكب الشوائب خارجا، خارج القلب. في البكاء الأول تتربى العين على الصفاء ويبعد الخوف من فعل السلوك الجديد والانفتاح على الأشياء. في الحياة يأتي البكاء بين فترة وأخرى، يطل على العين من ماضي الذكريات المؤلمة أحيانا ومن السعيدة التي فقدناها أحيانا أخرى، ويأتي من التأمل الدقيق العميق في واقع الحال حيث تصفو المشاعر حد أقصى درجات الشفافية والمصداقية في الحوار مع النفس، وفي تأمل مآسي الإنسان وهو يجوع ويجرح ويقتل ويشرد، في مشاهد الطفولة البائسة والعمر العتي القاسي، والصمت الأبدي، حيث لا أحبة ولا أصحاب. وفي ثقافتنا الاجتماعية الذكورية بامتياز كرس فهم بان البكاء للنساء فقط، فيما هو عيب على الرجال، حيث تم حشو آذاننا بالعبر والجمل والصراخ، بأن يكون البكاء خارج تعابيرنا الإنسانية؛ دون أن يدري حراس القيم والمبادء والأعراف أنهم يسلبوننا أجمل تعبير بشري عن الوجع، تعبير له فعل السحر في التخفيف من ألم الروح والنفس ومساهمته في اندمال الجروح. وربما يكون البكاء المباح للنساء هو أحد اكبر الحقوق التي استطاعت أن تأخذها المرأة من مجتمعاتنا الذكورية التي صادرت الكثير من حقوقها الأسرية والروحية والجسدية. ولكن هل بقيت الدموع بعيدة عن عيون الرجال؟ بالتأكيد لا، فكم سالت دموع عزيزة من عيون عظماء وحكماء وقادة مشاريع عظيمة غيرت وجه الأرض إلى ما فوق المنطق والإدراك. ذلك لأن الدمعة عندما تهل كثيرا ما تعني أن صاحبها ذو شعور مرهف وقلب كبير ووعي يتسع لإدراك الجمال في الحياة.. فالبكاء من شيم الرجال أيضاً. أما العيون المتحجرة التي لا تعرف معنى أو كيف يهطل الدمع، فهي من شيم أولئك الذين جف البريق من أرواحهم وأنفسهم وتوقفوا عن إعادة حسابات حياتهم ومراجعة وتصحيح بوصلة العمر، كي تتماس مع بهجة الحياة التي تستحق منا أن ننشغل كثيرا بتطهير أرواحنا وقلوبنا كي نقدر على احتضان البهجة. saad.alhabshi@admedia.ae