صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

عاصمة الوجدان البشري

الأم قم فقبلها، وضع على رأسها مقداراً من وهج الشمس، ثم قبل قدميها وضع بين يديها حكمة التاريخ، وسر إلى العالم وأنت مخضب برائحة وجنتيها، وكن دائماً في المسافة القريبة من عباءتها، إنها الغيمة التي تبللك بالمطر، واقترب أكثر من عينيها إنها النجمة التي تضيئك، ثم اقترب أكثر وأكثر من يديها إنها الطريق الذي يدلك على منطقة الفرح. الأم وحدها التي تجعلك ترى العالم بعين صافية، الأم مرآتك التي ترى فيها العالم من دون غشاوة. الأم نهرك الذي يغسل أوجاعك، ويضعك في قلب الوجود معافى مشافى من ضغينة الأيام. الأم ظلك، وخلك الوفي، الأم شجرة الأحلام التي تسهر على أيامك وتمنحك قصة الليالي الباهرة. الأم هذه الجملة المفعمة بثراء المعنى والدلالة هذه العبارة مخزن الاستعارة والكناية والتشبيه، الأم هذه الرواية القديمة الجديدة، تحدثك عن الصيف كيف يجلب لك رطب الحياة، تحدثك عن الشتاء كيف يغسل وجنتيك في الصباح، ويمنحك قوة المعنى. الأم هذه الرقية التي تحميك من وعورة الطرق، وأشواك الحقول، ولسعات العقارب. الأم هذه الموجة التي توشوش في أذنيك وتهديك إلى السواحل الآمنة كي لا تعرقلك الأسماك المتوحشة، الأم هذه اللغة الناضجة المحملة بالوجد والوجدان، هذه الرحلة الطويلة الممتدة من حبل المشيمة حتى آخر النهار، وعند منتصف الليل تكون عند مخدعك تودعك بقبلة، ثم لمسة على وجنتيك. الأم هذه السحابة تتوجك بالدفء، تحميك منك ومنهم، تأخذك إلى أعلى غصن، لتكون في منأى من المخالب والأنياب، الأم هذه الكتلة الضوئية، تشعك، وتضيئك، وتملأك النور السماوي، تملأك حنان الوقت، كي يضيع بصرك في ظلام الآخرين، كي لا تضيع أنت. الأم تغضب بحب، وتتوارى زعلاً بحب، وتحب بحب، هي كل الحب، هي كل الأشواق ما بين النجمة والنجمة، وما بين الغيمة والغيمة، وما بين العين والعين، الأم هي هذا كله لأنها الكل في الوجود، لأنها صانعة الخبز، ولأنها حائكة قماشة الحياة، لأنها شامة الجبين، ولأنها نقطة الضوء في القمر اللجين. الأم قم فقبلها فاخشع، ثم اركع، ثم دع هامتك بين يديها، واشرب دموعك خضوعاً لقامتها، ولا تتردد في المثول أمام قدميها، بجناح مهيض. الأم هذه وتلك، فلا تبغي غيرها، لأنها وحدها ولا سواها يشبهها، ولا سواها يكون بديلاً لها. الأم كن لها وليس معها، كن فيها ولا تكن موازياً لها، الأم حلمك وعلمك وقلمك ووعيك وقلبك وعقلك وطريقك الذي يأخذك إلى الوجود من دون منة أو كبر. الأم المسافة ما بينك والجنة، الأم الأنشودة التي تأخذك إلى الوجود، وأنت في غاية الفرح.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء