هو قدرة الإنسان على التمييز فيما إذا كان عمل ما هو خطأ أم صواب أو التمييز بين ما هو حق وما هو باطل، وهو الذي يؤدي إلى الشعور بالندم عندما تتعارض الأشياء التي يفعلها الفرد مع قيمه الأخلاقية، وإلى الشعور بالاستقامة أو النزاهة عندما تتفق الأفعال مع القيم الأخلاقية، وهنا قد يختلف الأمر نتيجة اختلاف البيئة أو النشأة أو مفهوم الأخلاق لدى كل إنسان، هذا هو الضمير كما تصفه معاجم علم النفس والأخلاق والفلسفة والاجتماع، وهو في ديننا يعادل ما سماه الله سبحانه وتعالى “النفس اللوامة”، هذا الضمير أو الوجدان بمعنى آخر يعاني انخفاضاً كبيراً في منسوب القيم في حياتنا العربية، ويعتقد كثيرون أن لهذا الانخفاض علاقة كبيرة بحالة التردي العربي!
قد يعتقد البعض أن هناك مبالغة أو عدم جدية في هذا الطرح، على اعتبار أن شروط النهضة والتقدم لا علاقة لها سوى بالماديات، بالجهد البشري والعلم والتعليم والاختراع والابتكار واستغلال موارد الطبيعة في زمن محدد، لكن الحقيقة أن ذلك كله بعيداً عن الضمير لا يكون حضارة بل يكون تراكماً بشرياً مشوهاً في أغلب الأحيان، وإن نجح وكون حضارة ما في ظل قوة عارمة، فإنها لا تلبث بعيداً عن الضمير أن تضعف وتتلاشى وتسقط في نهاية الأمر!
في الغرب، قرر الإنسان هناك أن يضع الدين في الكنائس ويغلق الباب فاصلاً بينه وبين الحياة، فلا دين لديهم في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الفن ولا في العلم، ولا في أي شيء، المبدأ عندهم لا علاقة بين الدين والحياة، مع ذلك فقد تمكنوا من تأسيس حضارة قوية عريقة وبمنجزات عظيمة لا يمكن لأحد أن ينكرها، السبب أنهم حتى وإن أعلنوا قطيعتهم بالدين فقد وضعوا لأنفسهم مراقباً آخر لا يقل حدة وقسوة هو الضمير دون أن يعني ذلك دعوة لإلغاء الدين، لكننا هنا نتحدث عن الأمرين بشكل منفصل وبما يتعلق بتجربة الغرب فقط.
في الغرب -يقول كثير من أعلام العرب والمسلمين- إنهم يمتلكون مقومات الإسلام الأخلاقية، في حين أن المسلمين الذين يملكون الإسلام لا يطبقون منه شيئاً، ولذلك قال أحد أشهر الكتاب الإسلاميين بعد أن زار الغرب “وجدت إسلاماً بلا مسلمين في أوروبا ووجدت مسلمين بلا إسلام في بلاد الإسلام”، والإشارة واضحة هنا للتدليل على الدين هو التطبيق وليس الشعارات الجوفاء، وهذه بالضبط ما تبني الحضارة وليس أي شيء آخر!
حين أراد محامي أحد المشاهير أن يجد له مبرراً لعدم حضور جلسة المحاكمة في موعدها وقد تعود على عدم الحضور، قالت القاضية لمحامي الرجل لا داعي لأن تجد له أعذاراً فالأفعال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات، وذلك صحيح، فالإسلام حين جاء لسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فسره لأصحابه في حديث مشهور قائلاً لهم: “.. فإن الدين الأخلاق”، وعليه فإن ما ينقصنا ليس الدين فهو كأحكام وقواعد ومصاحف وآيات ورجال دين ومساجد وفتاوى كثيرة جداً ولله الحمد، لكن ما ينقصنا هو التطبيق الحقيقي لهذا الدين العظيم، وهذا ما نجده عند الإنسان الغربي، الذي يحترم الوقت ويتقن العمل، ويلتزم بالنظام ويحافظ على الممتلكات العامة، ويحفظ قواعد السير ولا يعتدي على ممتلكات الآخر ويتعلم ويجد في طلب العلم، ويتفكر فيما حوله ويخترع ويبتكر ويفيد غيره، و.... وهذا كله مما دعانا إليه الدين ولا نفعله للأسف.


ayya-222@hotmail.com