صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

قبل منتصف السبعينيات، كنا في أواخر الصفوف الابتدائية، ولم نر شيئاً من الدنيا بعد، كل الذي كنا نراه صور سينمائية بالأبيض والأسود، أو صورة مهتزة في التليفزيون الذي لا يلتقط إلا محطتين بائستين· حينذاك جاء إلى أبوظبي سيرك عاكف المصري، ونصب خيامه في النادي الأهلي- مكان نادي الوحدة حالياً- ولأول مرة أعرف السيرك، وأتعرف على عوالمه، لم تكن تستهويني الحيوانات المدربة، كنت - وما زلت - أقدر لاعبي السيرك والبهلوانات، أولئك الذين يخفون دموع الصباح إلى الليل حين يفرغ المسرح من المتفرجين· مسرح عاكف استمر شهراً تقريباً، كنت أحضر عروضه يومياً، وآتيه مشياً، وركضاً، متخطياً رمالاً وكثباناً، وإن كان هروباً جماعياً من المدرسة المسائية، كنا نلقط طرف الكندورة بالفم، ونركض مختصرين المسافات، كنا ندفن الكتب ونعلّم أمكنتها عند بوابة الدفاع القديمة، لنعود ونأخذها ونحن راجعون في المساء المتأخر قليلاً· في ذلك المسرح والعرض السيركي تعرفت لأول مرة إلى رجال أقزام، وضحكت من قلبي لحركاتهم التي أشاهدها كل ليلة، وسمعت النكات المصرية لأول مرة، ولأول مرة أيضاً أرى امرأة بمكياج ظاهر، ووزن زائد، وأثواب حريرية ملونة، مثل نساء السينما· أحياناً كنا نذهب إلى السيرك، لنستمع لأغنية عبدالحليم حافظ ''موعود'' لأنها كانت أغنية الموسم، وكانت القلوب براعم خضراء لم تتشكل بعد، وكان السيرك يعيدها أكثر من مرة، كنا نهيم بها، وكنا نركّب وجوهاً نسائية، سينمائية، متخيلة لتكتمل فرحة الأغنية، والسفر معها، كان العمر في ذلك الوقت، عمر خلق الصورة والتخيلات، ورسم حبيبة في الخيال، تلك التخيلات نفسها ستبقى تجر العمر حتى بعد أن أبيضّ الشعر، وكبر الرأس، وفارقت الأشياء براءاتها· جربنا كل لعب السيرك، لأننا كنا محرومين من اللعب الطفولي، واليوم حين أمر بمشرب، تسكن في زاويته لعبة ''الفليبرز'' أتحجج بفكة النقود، لكي ألعب، هي رغبات طفولية حملناها معنا إلى كِبرنا، والسبب أن أول لعبة ''فليبرز'' في أبوظبي، جاء بها لبناني مقامر ومغامر ومهاجر، وكنت انتظر في صف طويل حتى يأتيني الدور، وحين يرق قلب الأولاد الكبار على الأولاد الصغار أمثالنا، لقد ظلت باقية تلك اللعبة في النفس، تسحبني أحياناً ـ راضياً ـ من المشي في شوارع أوروبا، لتدخلني المقهى الدافئ، أو المشرب المعبق بروائح الدخان الذي أكرهه، لأفتش في جيوب بنطالي عن فكة نقود، لكي ألعب، وأتمنى أن لا يكون هناك طابور طويل لأنتظر دوري وأنا كبير· في ذلك السيرك عرفت أشياءً كثيرة، وتعلمت أشياءً كثيرة، وتفتح خيالي على أشياء كثيرة، وحين قفل سيرك عاكف وعادوا راجعين، بكيت في آخر يوم، وساعدتهم ـ بقدر ما تسمح به الطفولة ـ في حمل الأشياء، وودعت القزم نخلة، وحفظت معظم نكاته التي كان يلقيها كل يوم، وعلى الرغم من ذلك كنت أضحك عليها من قلبي وخاطري· لقد ظلت علاقتي بالسيرك علاقة كلها تقدير وإحساس بالناس العاملين فيه، والمرتحلين من أجله، وليلة رأس كل سنة أظل متسمراً أمام القناة الفرنسية لمدة ثلاث ساعات لاستمتع بمشاهدة أجمل عروض السيرك، والسحر، وخفة اليد، والحيلة الماكرة، والفرح المستحضر من جهات العالم الأربع· قد يلم السيرك أغراضه، ويرحل ويترحل، لكن ما بقي من سيرك عاكف القديم، وبقي في الذاكرة يرتحل معها كلما شاهدت سيركاً أو حضرت عرضاً للفرجة، هي دموع المهرج التي يخفيها عن الجميع، تبقى تترقرق في المحاجر حتى خروج السمار، والمتفرجين، والضاحكين، ليبقى وحده مع الليل، وسكون الظلمة، ومع صورته الحقيقية في المرآة المشروخة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء