صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

طيري يا طيّارة!

لماذا يتمنى الإنسان أن يكون مثل ذاك الطائر السابح في السماء الزرقاء، معتلياً هام السحب؟ لماذا حين يسأل الطفل عن ماذا يتمنى أن يكون في المستقبل، تنبري على شفته إجابة واحدة، ومحددة: أتمنى أن أكون طياراً، ثمة إبهار جميل تعطيه هذه السماء، لذا يصرّ الفتى العربي على أن يصبح طياراً في المستقبل، لكن الأمر قد يكون مختلفاً عند فتى دانمركي، ربما يفضل أن يكون ملاّحاً أو صياداً مثل أبيه، ربما أوضاع الوطن العربي هي التي سرّبت هذه الأمنية إلى نفوس الأطفال، ربما عشق العربي للعلياء والعزّة، وربما أشياء كثيرة، لكن الكثيرين الذين كانوا يتمنّون أن يكونوا طيارين في المستقبل طار بهم المستقبل، ولم يعودوا يتذكرون تلك الأمنية الصغيرة التي كانت تذوب في الفم كقطعة سكّر، وأحياناً يقولها الصبي متذكراً أغاني كان يبثها الراديو الكبير الجالس في ركن في البيت، وكأنه شخص من أعضاء الأسرة المبجلين كل يوم: “طيري يا طيّارة طيري” أو أغنية “طيري يا طيارة.. ودّيني بندر عدن”! ?طبعاً•• على أيامنا كلنا كنا نتمنى أن نكون طيارين، الضعيف في الإنجليزي أو الضعيف في الرياضيات أو ضعيف النظر أو ضعيف البنية، جميعهم كانوا يتمنون أن يصبحوا طيارين، وبعضهم كان يبالغ عن جهل فيقول: أتمنى أن أكون طيّاراً.. وأسوق الصاروخ! هذا الطفل كان عذره معه، أما المطرب الجاهل والشاعر الجاهل والملحن الجاهل، ثلاثي الجهل هذا، فليس لديه عذر حين يشتركون في أغنية تنمّ عن جهل مبكر ومتأصّل، كأغنية “دخيلك سايق الصاروخ.. ودّيني لحبيب الروح”! ومن أشياء زمن الجهل والجاهلية أننا كنا نندهش حين يضحك علينا “حرّوب ولد ما ياكل السح” بجهله، مؤكداً أن الملك حسين كان يطيّر طيّارته في الظلام، ونبقى مندهشين متعجبين، كيف له أن يصل إلى الأرض، وفي كل هذا الظلام الذي يخيم على العين التي بدون كهرباء، ونكاد لا نبصر أصابعنا المرتجفة من البرد، فنتمنى أن نكون طيارين في الظلام مثله، خاصة بعدما ركضنا يوماً وراء “فوزة الماي” التي ترش شوارع العين الترابية لمرور موكبه، ولم نتوقف إلا عند المضيف القديم، ورأيناه، وحملنا صورته! ?مضت تلك الأيام والطفل الصغير الذي ضيّع طيارة الورق، بقيت عيناه ترنوان إلى السماء الزرقاء متتبعاً الخيط المقطوع، وتلك الطائرة القرمزية التي طارت بعيداً عنه، وبأحلامه الصغيرة، فيعود للبيت مهرولاً باكياً، لا يصبر على كحل المساء، ولا يستسيغ لقمة عجنتها الأم في زحمة انشغالاتها بالبيت وبأخوته، ويحاول أن ينام لكي يحلم بطائرته القرمزية التي خطفها “كويل الجن” أو طارت بها الجنّية إلى مكان بعيد مسحور!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء