حسناً فعلت هيئة تنظيم الاتصالات عندما بدأت فرض عقوبات رادعة تصل إلى حد قطع الخدمة عن مرسلي الرسائل الترويجية والتسويقية الاقتحامية المعروفة بـ”سبام” عبر الرسائل الإلكترونية من دون موافقة المستهلكين المسبقة، أو عند إرسالها خارج الأوقات المسموح بها من قبل الهيئة، وهي الفترة من السابعة صباحاً وحتى التاسعة مساء. جاء هذا القرار بعد أن استفحل الوضع، وارتفعت الأصوات بالشكوى من هذه الأساليب التسويقية التي وصلت درجة الإزعاج، وأصبح المستهلك يندم لأن جهة تعامل معها لمرة واحدة، وطلبت منه رقم هاتفه المتحرك أو بريده الإلكتروني، قد منحت نفسها الحق في إزعاجه على مدار الساعة، وتمطره بإعلاناتها ودعاياتها وعروضها الترويجية بهذه الصورة الفجة. ليس ذلك فحسب، وإنما أصبحت بياناته وأرقامه الخاصة مادة للتبادل بين مختلف الجهات التسويقية التي يدفع البعض مقابلاً للحصول عليها من هذه الجهة أو تلك. تجد هناك من يتصل بك في الصباح الباكر، ليعرض عليك جديد شركته أو المصرف الذي يمثله والمستعد لتقديم قرض كبير، حتى وإن كنت مديناً لمصرف آخر، أو كان حسابك يعاني”أنيميا حادة”، تصل مكتبك وتفتح بريدك الإلكتروني لتجده مترعاً بتلك برسائل” سبام” من مصادر وجهات شتى. بعضها من خارج الدولة، ناهيك عن رسائل النصب والاحتيال التي ترد من مجاهل أفريقيا، ويعرض فيها نجل أو أرملة رئيس مخلوع مقاسمته الملايين من الجنيهات الاسترلينية أو”اليورو” المودعة في مصارف سويسرا، مقابل إرسال بيانات حسابك المصرفي، ومن تلك الرسائل جهات تروج لعقاقير وأدوية غير مصرح بتداولها في الدولة وغير مرخصة من جهات الاختصاص. لقد انتشرت هذه الطرق الترويجية المزعجة، ورسائل “سبام” بصورة غير مسبوقة، ففي الوقت الذي نجد فيه بعض المجتمعات تحترم خصوصية أفرادها بمنع جهات عملهم من إرسال الرسائل عبر بريدهم الإلكتروني خارج ساعات الدوام الرسمي، وأثناء عطلاتهم الأسبوعية أو السنوية، نجد رسائل”سبام” والاتصالات الترويجية المزعجة تقتحم خصوصيتك وقتما يحلو لأصحابها من دون رادع أو ضابط. إن أولى الجهات التي يفترض بها الالتزام بالقواعد المنظمة التي دعت لها هيئة تنظيم الاتصالات، هي مزودا الخدمات الهاتفية والاتصالات في البلاد. بعد أن فسرا الاشتراك في خدماتهما على أنه دعوة مفتوحة لإزعاج المشترك آناء الليل وأطراف النهار، برسائلهما النصية والإلكترونية واتصالاتهما الهاتفية لدعوته للاشتراك في هذه الخدمة أو تلك الباقة. كما أن بلدياتنا مدعوة للاشتراك في القضاء على مظاهر الترويج المزعج، بالتصدي لشركات توزيع المطويات الترويجية التي تغرق مداخل المنازل والشقق بالدعايات لمطاعم الوجبات السريعة وعروض المراكز والمحال التجارية الكبرى وحتى خدمات الصيانة العامة ومكافحة القوارض والحشرات. في العديد من دول العالم لا يسمح لأي مروّج تجاري بوضع مطوياته الترويجية أمام أي منزل، إلا إذا كان ذلك المنزل يحمل شارة الموافقة على تلقي تلك المواد. لأن الأمر في المقام الأول والأخير يتعلق باحترام خصوصية الإنسان. نأمل أن يكون قرار هيئة تنظيم الاتصالات فرض عقوبات على مرسلي تلك الرسائل المزعجة، مؤشراً لبقية الجهات المعنية لإدراك مستوى التطفل والإزعاج الذي يمارس بحق المستهلكين، وقد حان وقفه. علي العمودي | ali.alamodi@admedia.ae