لا يتوقف الإنسان ـ أي إنسان ـ عن الحنين إلى شيء ما، إلى حب ضائع، إلى حلم قديم لم يتمكن من الحصول عليه، إلى منازل الصبا، إلى مرابع اللهو، إلى حارات الطفولة التي سكب فيها رحيق براءته وشقاوته وألق الروح، إلى أمه التي فارقها في طريق البحث عن نفسه وعن غواياته، عن أبنائه الذين فقدهم لأنه ربما انفصل عن زوجته وربما لسبب الغربة التي حملته بعيداً عنهم.. يحن الإنسان طيلة حياته إلى شيء ما، إلى عزيز ما، وقد يبلغه الحنين ما يريد ويتمنى، وقد يبقى العمر كله في حالة حنين لا نهاية لها.
بعد دراسة نفسية واجتماعية أجراها أستاذ علم النفس الأميركي الدكتور “فرايد ديفينز” أعلن الرجل أن الحنين إلى الماضي والذكريات الجميلة الدافئة له أثر فعال في مساعدة الإنسان بصفة عامة، والمرأة بصفة خاصة على مقاومة وعلاج الكثير من حالات القلق أو الحزن أو الشعور بالوحدة أو بعض حالات الاكتئاب التي أصبحت سائدة هذه الأيام بين النساء!!
السبب في شيوع حالة الحنين عند النساء إذن يرجع إلى الرغبة في حياة أكثر بساطة وهدوءاً عقب التغير الذي أصاب الحياة المعاصرة، كما أن المرأة بطبيعتها كما قال علماء السلوكيات كائن غير ميال للصراع، وهي لا تمتلك بالفطرة تقنيات إدارة هذا الصراع، ولذلك فهي عادة ما تتخلى عن كثير من الأهداف الكبيرة لأنها لا تمتلك في بعض الأحيان مثابرة على تحقيق انتصارات غير مقتنعة بها، وبخاصة في الميدان السياسي عندما تخوض معركة انتخابية في وزن المنافسة على منصب رئيس الدولة العظمى كما فعلت هيلاري كلينتون التي تخلت عن منصب الرئيس، لكنها حتماً لم تتخل عن حنينها للماضي، ولم تنس أنها كانت ذات يوم سيدة أميركا الأولى وسيدة البيت الأبيض!!
إن الحنين إلى الماضي أصبح عنصراً من عناصر العلاج الحديث - كما يقول اختصاصيو العلاج النفسي - فهو يعمل علاقة تصالح للفرد بما حوله ويقدم له ما يجعله قادراً على التكيف مع إيقاع الحياة السريع.. ويمكن للإنسان أن يستفيد منه وهو ينظر إلى الأشياء القديمة التي أحبها وتذكره بالزمن الجميل.
لذلك فإن أكثر الحنين تطلقه النساء، وأكثر الحكايات التي تعبق بالذكريات تؤلفها نساء، وليس في ذلك عيب أو نقيصة، فالحنين للزمن الجميل- إن بقي في معدلاته الطبيعية ـ يعتبر علامة صحية وحصانة عاطفية بشكل من الأشكال، مالم يتحول الحنين إلى حالة نكوص ونستالجيا مرضية، تجعل صاحبها يعيش في زمن غير زمنه ويتقمص حالات نفسية ووجدانية تخرجه تماماً من الواقع وتدخله في دوامة الحنين الذي يبقى بلا جدوى.
هناك أحداث تقع لنا، نفقد أعزاء، ونغادر أحبة، ونترك بلداناً وأوطاناً عزيزة، ربما على أمل العودة وأحياناً لا أمل لنا في لقاءات مع من ذهبوا، الحنين هنا وفاء لذكرى الأحباب والأصدقاء والحارات التي تسكننا، شرط أن لا نغرق في الحنين إلى درجة تدخلنا في الكآبة والحزن والبكاء عند عبور الذكرى أفق القلب!.

ayya-222@hotmail.com