يُصبِحُك بعض الأشخاص بوجه مكفهر مغبر عابر لقارات البؤس والأسى، جبينه كأنه حصير ضربته شمس القيظ، فيبس خوصه وتقصف وخسفت به رطوبة الأرض، عيناه ذابلتان تدور في داخلهما مقلتان حائرتان زائغتان تتدحرجان بين جفنين مقبوضين بأحلام يائسة، تحتار في كثير من الأحيان والأزمان، لماذا هذا الشخص مثلاً متغضن، يعصر صدره، يعصر قلبه، ويعتصر وكأنه خارج من نفق ضيق مظلم. هذا الشخص مثلاً عندما تريد أن تصافحه فإنه يمد يداً أو نصف يد ثم يسحبها بالسرعة الممكنة كمن يريد أن يهرب ويُهرب مشاعره، ثم يتسرب بعيداً هو كأنه يريد أن يخفي سراً ما أو يدفن حالة إنسانية لا يريد أن يطلع عليها سواه، لأنه يشعر أن الآخرين يسلكون سلوكاً ضد الآخرين، لا يحبونه، والآخرون لا يقدرونه. هذا الشخص عابس في الآخرين، بائس في وجه الدنيا، لا يتذوق مذاقاً حلواً، ولا يستمع إلا لهدير داخله المرتبك، الهائج المائج، المضطرب، المتحارب مع نفسه. هذا الشخص مثلاً يعاني عقدة الانكفاء على الذات، لأنه فقد الثقة بالآخرين، كره مجالستهم، وعندما يرى شخصاً مصادفة فإنه يشعر وكأن أحداً يلطمه بكتلة من نار، فيشيح بداية في وجوم، ثم يحرك أطرافه متسولاً لحظة الهروب، ثم يغيب بلا مبرر. هذا الشخص لا يستطيع أن يقدم الابتسامة للآخرين. ولو حاول مرة فإنه يشعر بالألم، ويزداد تأزماً وتفاقماً فيؤنب نفسه كثيراً كونه ابتسم.. لا غير. بينما بعض الأشخاص يقابلون الغير بابتسامة أشف من ورقة التوت، ناصعة كوردة طالعة من فجر نهار ربيعي، عيناه تشعان ببريق كوني، يفتح لك آفاق الأمل. كلماته أشبه بقطرات الندى على صفحة خد لدن، إن عاتبك أحاطك بأعذب الكلمات، وإن خاصمك نادتك روحه الندية نداء خفياً عفياً، عفيفاً شفيفاً. هذا الشخص مثلاً يرنو إلى الناس بعينين دامعتين، كمحب عاشق في ساعة وداع، هو في حالة وداع دائمة، يشعرك هكذا لأنه كائن محب متشبث بالحياة، متمسك بمبادئ الفطرة الإلهية، هذا الشخص عندما يتحدث صوته أشبه بالهديل، في صفاء صحراء تزملت بالرمل النبيل. هذا الشخص لا يذكر الآخرين إلا بالكلام الجميل، وبمحسنات بديعية تجعلك تحب كل من يطرق أرصفة الشارع أو من يقف عند شرفة أو زاوية غير حادة طبعاً. هذا الشخص تصالح مع نفسه، فلم يرتبك، ولم يشعر بضغينة، ولم يتخل عن إنسانيته، فتبنى مشروعه الإنساني وهو أنا والآخر في وعاء واحد. هذا الشخص مثلاً محب إلى درجة أنه لا يكره، كما قالت رابعة العدوية حبي لله لم يدع في قلبي مجالاً لكره الآخر.. ولكن بعضهم كره نفسه وكره الآخر حتى صار كتلة من جحيم تتدحرج على الأرض. علي أبو الريش | marafea@emi.ae