يتيح المدخل الدلالي لقراءة القصيدة التعرف على ملامح خطاب جديد يحيي تقاليد الصعلكة الشعرية ثقافيا بتفاصيلها وجزئياتها وصلة شعرائها بالعالم والآخرين· ويمكن تصنيف تجربة الشاعر اليمني الشاب محمد اللوزي في ديوانه الثاني ''إجازة جيري'' ضمن شعر الصعلكة المعاصرة أو الحديثة كموقف من العالم والمجتمع ومؤسساته· يستمد العنوان طاقته الدلالية من ثنائية القط والفأر في الرسوم المتحركة ومشاكساتهما التي يصبح معها كل منهما ضروريا للآخر كلزوم العالم بالنسبة للشاعر: عدو لا يتحقق الوجود إلا به، فإذا انصرف جيري في إجازة فسيشعر توم بالوحدة والفراغ، وهذا ما تعرضه قصيدتان في الديوان هما ''صيف توم'' و''قصائد المصحة'': صباح الخير يا توم/ صباح يومك الذي لا ينتهي/ جيري الفأر في إجازة اليوم/ لكن يومك سيء مثل كل مرة· ثم نطالع (توم) في مشهد آخر: توم في المصحة/ لم تعد أيامه أياما/ يكتب قصائد عن غياب جيري/ يكتب ويمزق/ يكتب ويمزق/ يرسل إيميلا لجيري/ وجيري في إجازته السنوية/ في جزر الكاريبي/ متمددا على الشاطئ/ يتأمل الأجساد البرونزية لنساء الكاريبي· المطابقة بين ثنائية توم جيري والشاعر والعالم تجد مستندات نصية أخرى ففي قصيدة يخاطب نفسه: أنت بلا أيام/ حتى ولو عشت أسابيع كاملة/ مملوءة بالضحك· وتتمثل كذلك بالسخرية الحادة التي يحشد لها اللوزي أدوات كثيرة منها استخدام المفردات الدالة على تعامل شعبوي أو يومي مثل الشوكولاته والساندويتش والآيسكريم والكولا والهامبورغر والكتشب، والبليارد والبلوتوث والشطرنج والموبايل والإيميل والفاتورة·· وهي تتعزز أيضا ببنية التكرار التي يبني بواسطتها نصوصه فيبدأ النص بعبارة تتكرر في الجمل الشعرية التالية لتنتهي بضربة مفاجئة كذروة النص، في منحى سردي يناسب نهج القصائد المشاكس والمختلف· وإذا كانت المطابقة الضدية تعيد أجواء شعر المشاكسة المبكر كما تمثله قصائد الماغوط فإن اللوزي يستعين بتلك التقنية ليؤكد ذلك الانقسام المدمر في بنية العالم نفسه، وقصيدة ''أريد أن أنتقم من أبي الهول'' مثال ملائم لهذا الأسلوب فهي تكرر الجمل التي تبدأ بـ''أريد أن أنتقم من··'' ثم تأتي قائمة الأشياء التي يرغب الشاعر في تدميرها حرمانا وغضبا ونحس في لحظة ما أنها لن تنتهي ويمكن أن تتسع حتى ما لانهاية له من الأشياء حد الانتقام من النفس في النهاية· السخرية في قصائد اللوزي تخفي ألما ممضا جراء ما لا يتحقق من شروط الحياة، تؤكده قصائد تقارب الزمن والأمكنة وتبصر الفروق الطبقية بين البشر، وعذابات الحياة اليومية، وأعباء المنزل والأسرة والعوز، وقبل ذلك الافتقار للهوية وتحقيق الذات: أنتَ بلا اسم/ حتى ولو سمعتهم/ ينادونك محمدا··/ أنت بلا مواعيد/ حتى ولو تسلقت جبال الوقت/ ووصلت في الموعد المحدد