لو كان كارل ماركس، وبعده فلاديمير إلييتش لينين، وبعدهما ماو تسي تونغ، وبعدهم جميعاً فيديل كاسترو وكل الرفاق الآيديولوجيين، يدركون فاعلية السينما في تكوين اتجاهات الجمهور، لذهبوا جميعاً ناحية هوليوود يؤصّلون فيها دعاواهم، ويجعلون منها إماماً للبروليتاريا العالمية، من ستالين غراد السوفييتية، إلى سانتايغو اللاتينية، إلى إقليم كاتانغا الأفريقي، إلى منشوريا الصينية. لكنهم، جميعاً، اختاروا الطريق الأصعب الذي تجرفه مكانس الثوّار وكلاشينكوفاتهم، وتركوا الصالات المعتمة لمخرجي هوليوود ونجومها، يبثون من خلال شاشاتها نماذج “السوبر مان”، و”رامبو”، والكائنات الفضائية العملاقة، التي تؤسس لثقافة الأقوى وطغيانه. دحضت هوليوود، بإنتاجاتها المبهرة، كل ما روّجت له الدعاوى الآيديولوجية الجذرية، وانتصرت لـ “البطل” على حساب الإنسان، ووضعت الفرد في مواجهة الجماعة. كانت السينما الأميركية، منذ أن أُسست، كتيبة الاقتحام الأولى، تهيئ الأذهان والسلوكيات والأنماط للقادم الأعظم. مهرجان “كان” في دورته الـ 63، يبدو ساحة من ساحات المنازلة بين معسكرين. فقد فتح أبوابه وصالاته وبعض مسابقاته لسينما مغايرة عبرت المحيط، لتقدم مخرجين ينهالون في العادة بمطارقهم على رأس النموذج الأميركي: وودي آلن، ومايك لي، وأوليفر ستون. وتلك ظاهرة أفرزها النظام الأميركي نفسه. لا فضل فيها لحتميات ماركس التاريخية، ولا لفرق “الجيش الأحمر”، ومنظمة “بادر ماينهوف”، وعمليات الرفيق كارلوس الذي يحتج من سجون فرنسا على فيلم لم يكن أميناً لنضالاته. واللافت أن النقد المرير الذي يطاول المشروع الإمبراطوري الأميركي، ينبع دائماً من أوساط المثقفين والفنانين والسينمائيين والشعراء. فهؤلاء هم اللذين نددوا بالحرب على العراق، فنزلوا بمظاهرات مليونية لكي يقولوا “ليس باسمنا” تجري تلك الحرب بحسب بيانهم الشهير. ومن هؤلاء، سام هاميل، الشاعر الذي رفض دعوة السيّدة الأولى لورا بوش لقراءة قصائده في البيت الأبيض، ونظّم حركة ثقافية واسعة لمعارضة سياسات زوجها. ومنهم أيضاً، المتمرد الدائم مايكل موور، الذي كتب بكاميرته هجائيات قاسية لجموح المحافظين الجدد الإمبريالي، وفضح وحشية الرأسمالية في معقلها بفيلمه الأخير “الرأسمالية: قصة حب”. وإذا كانت أفلام موور العديدة، تنتمي إلى سينما المؤلف المتواضعة في إمكاناتها المؤثرة في وثائقيتها، فإن فيلم “آفاتار” للمخرج جيم كاميرون ما زال يمارس سطوته الهوليوودية المبهرة، ليسجل درساً تعرفه كل الشعوب: إرادة البقاء ضد حروب الإبادة. في “كان”، يقدم أوليفر ستون الجزء الثاني من فيلمه “وول ستريت: المال لا ينام أبداً”. في هذا الفيلم، يتجاوز النقد العقدي للمجتمع الأميركي وقيمه، لكي يحذر من مغبة السقوط في العقدية البديلة. يقول إن “الأزمة الرأسمالية الحالية قد تؤدي إلى الأسوأ: الاشتراكية”. وهو المنطق نفسه الذي يضمنه الفرنسي جان لوك غودار لفيلمه “اشتراكية”، فيوضح: “إنها لم تعد يوتوبيا، بل باتت أمراً قابلاً للتحقيق”. إلى جانب هؤلاء، يقدم الفرنسي ماتيو أمالريك فيلمه “الجولة الفنية” كوثيقة سينمائية عن إجهاضات “الحلم الأميركي” الذي يراود الكثيرين. تقول السينما، في مثل هذه الأفلام، بوضوح أبلغ، ما تعبّر عنه الأدبيات المناهضة للعولمة في تجلياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية. تنطق السينما بلسان جموع المتألمين أو الساخطين، من دون ادعاءات فكرية، ولا فذلكات نظرية، ولا مرجعيات سنّها لها رهبان الآيديولوجيات السالفة أو السادرة.. تقول بالصوت والصورة، ما لا يستطيع قوله الآخرون، أو يقولونه ولا يصل.. adelk58@hotmail.com