يقول كثير من الشباب وحتى بعض أساتذة الإعلام إن “الفيس بوك” غيّر كثيراً من المفاهيم السائدة في عالم الاتصال الجماهيري المعروفة في عالمنا العربي وغير العربي، أصبح الخبر ينقل إلى العالم في لحظته الراهنة، لم يعد هناك فارق ولو لثانية واحدة بين وقوع الحدث ومعرفة الناس به، ومع ذلك فالإعلام التقليدي لايزال يضع زبائنه في خانة: “آخر من يعلم” لأنه لايزال مصراً على الاحتفاء بحراس البوابات الذين لا يزالون منشغلين بفلترة المادة والانتقاء منها والمفاضلة بين الخيارات، في الوقت الذي يقيم فيه “الفيس بوك” الدنيا ويقعدها في دقائق معدودة بعيداً عن نظرة الشك والفوقية التي يعامل بها التقليديون أخبار “الفيس بوك”.
الأمر الحاسم في الموضوع والذي لايحتاج إلى جدال أن الفيس بوك صار خياراً في عالم ما عاد الإنسان فيه يؤمن بأن لأحد الحق في تلقيمه الأخبار والمعلومات بالملعقة كطفل لا أسنان له، لقد نبتت أسنان الناس كلها، في وقت واحد تقريباً ومسألة المصادرة والأبوة والوصاية لم تعد مقبولة بعد اليوم، خاصة بعد أن فتحت الحكومات العربية الفضاء على مصراعيه لمئات الأقمار الاصطناعية، وملايين الموجات الطويلة والمتوسطة والقصيرة وصار الالتقاط مسألة إمكانات تقنية ومادية لا أكثر ولا أقل.
المحاولات التي تبذل لإعادة الرقابة باتت أمراً مضحكاً بالفعل، فليس من المعقول أن تطالب أحداً بالتقاط الحليب المسكوب أو أن تبكي عليه، لقد انسكب حليب الرقابة بين أيدي المراقبين التقليديين الذين حافظوا لعقود طويلة على استمرار ذلك الستار الحديدي الذي وقف سداً منيعاً بين الجمهور العربي و المعلومات والأخبار، حتى كان مرض الرئيس سراً من الأسرار العظمى، وانهيار أسهم شركة حكومية معلومة مقدسة لايجوز الاقتراب من أسرارها، لم يعد هناك قداسة أمام المعلومة، فالخبر حق والرأي هو المقدس في هذه الأيام !
هناك إيمان بالعيب غير مبرر لدى كثير من الناس في عالمنا العربي، وهذا العيب يشبه صناعة الغباء التي تحدث عنها العالم الأشهر آينشتاين حين قال “ هناك شيئان لا حدود لهما : العلم و غباء الإنسان “ !! والعيب ليس كله جيد ومطلوب، فهناك عيب يدخل في باب الغباء فعلاً، خاصة حين ينظر لحرية الحصول على المعلومة وحرية الرأي والتعبير على أنها مرادفات للعيب، وما هي بعيب أبداً، لكن البعض مصر على نظريته، لأن إتاحة المعلومات بحرية تامة للجميع قد تطيح بمصالح هذا البعض أو بوظائفهم أو بمكانتهم أو بوجودهم المنبني أساساً على كونهم حراس البوابات الذين لا تمر أمامهم شاردة ولا واردة من خبر أو معلومة إلا وأمسكوا بها وفتشوها وتشمموها، وفصفصوها وحللوا دمها ثم بعد ذلك يقررون ما إذا كانت تنشر أو لا تنشر !!
الفيس بوك الذي أنشأه طالب صغير في السنة الثانية في كلية هارفارد، يضم ملايين الأشخاص بعد أن كان حصراً على طلبة هذه الجامعة العريقة فقط، وقد رفعت عليه دعاوى قانونية كثيرة وكاد يطرد من الجامعة، لكنه اليوم صاحب الاختراع الأكثر شهرة في عالم الإعلام التفاعلي، وسيأتي غيره من سيخترع ما هو أشد قوة وتأثيراً في التواصل والاتصال .. بينما لا يزال هناك من يعتقد أن نشر خبر عن جهة حكومية هو نهاية العالم !


ayya-222@hotmail.com