صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مرايا الفهم

يظل الإنسان بحاجة دائمة إلى الفهم، والى تقدير الأمور وقياسها بالمنطق العقلي وربط الأسباب بالنتائج. وحين يعجز عن إيجاد المغزى من وراء الأشياء يذهب الى ابتكار تفسيراته العقلية والمتخيلة لكل ما لا يعرفه، ومع الزمن تتراكم لديه مخزونات ومعارف خاصة به وحده تشكل شخصيته الثقافية التي من خلالها يحكم على تمظهرات الحياة من حوله. البعض يذهب في الطريق السهل فيقبل أن ينوب عنه الآخرون في تفسير العالم ويتحول كل ما يقال له من تلقينات إلى قناعات ثابتة ينبغي الالتزام بها، ونراه مع الأيام يقبل بالرضوخ إلى الأحكام والتفسيرات التي تمنح له من غير حاجة إلى التفكير، وبالتالي فانه يعطل عقله الخاص وخبراته التي يكتسبها مقابل الركون في المنطقة الآمنة، منطقة القناعات العامة. ومثل هؤلاء وان شعروا أحيانا بوحدة الوعي الجماعي، إلا أنهم من الداخل يظلون يعيشون عذابات التناقض بين ما يرونه ويحسونه من حقائق واضحة، وبين ما يجب عليهم ان يؤمنوا به حتى لو كان متناقضا مع حسهم ووعيهم الذاتي. وفي مرحلة ما يصل هؤلاء الى مرحلة (الإقصاء) بدءا بإقصاء وعيهم الخاص، ثم إقصاء أية أشكال مختلفة أو متناقضة مع قناعاتهم. والطامة عندما يصبح هؤلاء مسؤولين أو مديرين أو أصحاب سلطة ثقافية أو إدارية حيث ينقلون الصراع من الحالة الفردية الى الحالة الجماعية. آخرون، مهما كانت درجات التلقين التي يخضعون لها، ينحازون في النهاية إلى العقل. وترتفع لديهم حاسة القياس والمنطق، ومع الأيام تجدهم يبدأون بالتغيير، بداية بأنفسهم وقناعاتهم التي يرون أنها بالية وغير صحيحة، ثم يذهب هؤلاء الى محاولة تغيير الواقع لأنهم باتوا يشعرون بالمسؤولية الاجتماعية والفكرية. والى هذه الفئة ينتمي الشعراء والفنانون وأصحاب الفكر النقدي والحس العالي. وهؤلاء يدخلون ويعانون من صراع كبير مع الفئة الأولى الراضخة. الفئة الثالثة هي التي تتماهى مع الكون وترى الأمور من منطق الوعي الكوني العالي الذي لا يجد حدودا بين المتناقضات. وهؤلاء لا يحتكمون إلى العقل والمنطق وإنما يتجاوزون الأطر التقليدية للفهم منتقلين إلى الإيمان بأن المحبة هي الأصل الأول للإنسان، وبالمحبة النابعة من القلب يمكن للبشر أن يتحدوا وان يتجاوزا خلافاتهم في الفهم والأصل والعرق والدين. وهؤلاء هم أكثر فئة تتم محاربتها وإقصاؤها رغم نواياها الطيبة. وفي الفلسفات والمجتمعات على مدى التاريخ سعى هؤلاء إلى بناء خطاب روحاني حسي يقوم على النظر إلى الكون باعتباره وحدة متكاملة، وان الإنسان يولد مجبولا على الخير، لكن التعاليم والتلقينات التي يتم حشوه بها هي ما يولد فيه الشر والرغبة في الإقصاء والقتل والتدمير والتهميش. وقد يمتد هذا الشر إلى يومياته البسيطة فنراه لا يتردد في قول الكذب وإطلاق الأحكام والنمّ على الناس من غير وجه حق. الوعي أو الفهم درجات، والناس يتوزعون عليها حسب قدراتهم الروحية وحسهم العالي. وفي هذا المستوى قد تجد فلاحا أميا أعلى بدرجات من حامل شهادة الدكتوراه. لأن القياس هنا يتم بالقلوب الكبيرة وبالسلوك. وليس بالمعلومات والحفظ. akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

جسر الكتب

قبل 4 أيام

نافذة البصيرة

قبل أسبوع

أرض الفنون

قبل أسبوعين

عين الفن

قبل 3 أسابيع

عَرقْ النار

قبل شهر

أحمد راشد

قبل شهرين

خارج الدائرة

قبل شهرين
كتاب وآراء