لا أدري لماذا نرى جميعاً الماضي أحلى وأجمل وأمتع، على الرغم من الترف الذي نعيشه في أيامنا الحاضرة.. وأنا أجلس في مقهى يرتاده عدد من الشعراء، يتناولون قهوتهم المعتادة، يتبادلون الحديث، ينظمون القصائد وهم يشرفون على البحر بزرقته السماوية وخضرة النخيل في منظر طبيعي يأسر الألباب، يعود بي الزمن إلى شعراء الأمس، وأشعر بأن شعر الأمس أجمل. بلا شك إن الشعر موهبة وإحساس عال للشاعر بما يجري في نفسه وما يدور حوله من أحداث وما يراه من مستجدات، وتراث العرب الشعري غني، لم نزل ننهل من معينه الذي لم ينضب لليوم، منذ العصر الجاهلي ومعلقاته، ومن دلالات براعة العرب في هذا الفن أنهم يتمتعون بدرجة عالية من الإحساس بالكلمة، والحس الموسيقي المرهف، واستمروا في إبداعهم الشعري، إلى اليوم، ولا نبالغ إن قلنا إن العرب شعراء بالفطرة. كثيرون من الشعراء نظموا شعراً جميلاً سماعياً ولم تكن لديهم معرفة ببحور الشعر وعروضه وزحافاته وعلله، فأحسنوا نظم القوافي، تخيلت الشاعر العباسي خباز الأرز الشهير المتميز بغزله وخبزه، الخبز أرزي (أو الخبزرزي) نصر بن أحمد بن نصر بن مأمون البصري وكان أمياً لا يتهجى ولا يكتب، وهو يجلس في أحد المقاهي الفاخرة، ترى هل كان سينظم شعراً، أم سيتلهى بالهاتف المحمول، أم سيكتب شعراً بالبلاك بيري، ويرسله في رسائل إلكترونية، متغزلاً بحسناوات المراكز التجارية"المولات"؟ كان الناس يزدحمون على الخبز أرزي ويتقاطرون عليه ويستمتعون بشعره ويتعجبون من حال الشاعر الخباز، وروي أن جماعة من محبيه وأصدقائه ذهبوا يهنئونه بالعيد وهو في "مخبزه" فيوقد السعف، وسحب الدخان تلفهم لينهضوا مرغمين، فيقول أحدهم وهو نصر بن أحمد لأبي الحسن ابن لنكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فيقول له أبو الحسين: إذا اتسخت ثيابي، وكانت ثيابه يومئذ جدداً على أنقى ما يكون من البياض للتجمل بها في العيد، فيمشون إلى دار ابن المثنى، فيجلس ابن لنكك، قائلاً: يا أصحابنا إن نصراً لا يخلي هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله فيه، ويجب أن نبدأه قبل أن يبدأنا، فيستدعي دواة ويكتب: لنصر في فؤادي فرط حـــبٍ أنيف بـــــه على كل الصحابِ أتيناه فبخرنــــــــــــا بخوراً مــــن السعف المدخر للثيابِ فقمت مبادراً وظننت نصراً أرادَ بذاك طردي أو ذهابي فقال: متى أراك أبا حسين؟ فقلت له: إذا اتسخت ثيابي وترسل الأبيات إلى نصر، فأملى جوابها، فيجيب: منحت أبا الحسين صميم ودي فـــــداعبني بألـفاظ عذابِ أتى وثيابــــــــــــه كقتير شيب فعدن لــــه كريعان الشبابِ ظننت جلوســــه عندي لعرس فجدت لـه بتمسيك الـثيابِ فقلت: متى أراك أبـــا حسين؟ فجاوبني: إذا اتسخت ثيابي فإن كان الترفــــــــــه فيه خير فلــــم يكنى الوصي أبا ترابِ Esmaiel.Hasan@admedia.ae