في أستراليا برنامج تلفزيوني يتوجه للأطفال من سن الثالثة وحتى السادسة، من أجل الحفاظ على لغة السكان الأصليين بعدما طغت لغات أخرى وتوارت اللغات الأصلية بفعل الاستعمار الأوروبي منذ سنة 1788، وتقول منتجة البرنامج كاث تريمبين إنه تبين لها أن الأطفال لا يتوجهون إلى لغتهم الأصلية بعدما تشبعت ثقافتهم بلغات غير محلية، جاءت من أعالي البحار، الأمر الذي يستوجب استدعاء الذاكرة من جديد، إحياء لثقافة أهل البلد، والتي لا تنبع إلا من وعاء اللغة.
الوعي باللغة الأصلية والثقافة المحلية هو ركيزة النمو الاجتماعي الطبيعي والتطور الواقعي في جميع مجالات الحياة، فلا تتطور المجتمعات لمجرد استيراد معلبات الثقافة، ولا تتطور المجتمعات لمجرد التحليق بلغات غير لغتها.. لا شيء يضير الإنسان في أن يتعلم لغات الأقوام الأخرى، ولكن بشرط أن ينطلق الجيل الأول من لغته ولابد أن يجيد هذا الجيل لغته، ويستوعب ثقافته ليضيف إليها من ثقافات الآخرين، ويحقنها بما ينتجه العقل البشري في مناطق العالم المختلفة.
فلا يمكن نفي ثقافة أي مجتمع لإحلال ثقافة أخرى مكانها، وإن تم الأمر على هدي ذلك، فإن الإنسان الذي ينشأ على أساس الثقافة المنقولة فإنه يصبح إنساناً منسوخاً، بل وممسوخاً لا معنى له، غير أنه دمية تتحرك بـ «ريموت كنترول» الثقافات الأخرى.
من يلغي ثقافته ويعتنق ثقافة الآخر، كمن يرتدي جلباباً أوسع من حجمه أو أضيق من حجمه.. الثقافات البشرية تتلاقح وتتوازى ولا ينفي بعضها بعضاً، فالنفي يعني مصادرة حق الإنسان في تنفس الهواء الطبيعي، وبالتالي لابد أن يصاب بروماتيزم ثقافي، وآلام مفاصل لغوية تؤدي إلى تقاعسه، وعدم قدرته على التواصل الحقيقي مع العالم الخارجي.
فتقليد الآخر شيء والتماهي معه شيء آخر، والسير خلف الركاب شيء، وتقدم القوافل شيء آخر.. الوقوع تحت سطوة أحلام اليقظة شيء، والتفاعل مع الواقع شيء آخر.. المجتمعات المنتمية إلى نفسها تستطيع أن تحقق ذاتها من خلال التواصل بقوة مع الآخر معتمدة على ثقافة متشبعة بمفاهيم لغوية من تربة البلد التي تنبع منها، مشعة ببريق ريق أهلها وبلاغة لسانهم، أما الولوج في محيطات التغريب، والتجهيل، والتعلل بالتطور بأنه لا يأتي إلا من خلال القفز على الحبال المهترئة، فهذه ليست إلا أكذوبة أو حمل كاذب، نحن الذين نصنعه بخيالنا ونصدقه، ونتبع ظله حتى نقع في حفرة الفشل.
أستراليا تنبهت قبل فوات الأوان، وبعد أن لا حظت أن الحصان يجر لغتها الأصلية باتجاه المجهول، وكل الدول والمجتمعات، بحاجة إلى كبح أحصنة التغريب حفاظاً على ثقافتها ومنع التسريب، وتهريب اللغة إلى غير مكانها وغير مقاصدها.



marafea@emi.ae