في واحدة من اللقطات السينمائية التي تحفظها ذاكرتي جيداً، يقف البطل في حالة حيرة أمام دموع الفلاحة البسيطة، فهو يحبها ولكنه غير قادر على اجتراح معجزة إرضائها وتسليتها، وهو لا يريد أن يراها تبكي لشدة حبه لها ولأنها كما يقول جميلة جداً على البكاء والحزن، وفجأة تلوح فكرة فيهتف بها: هل شاهدت السينما يوماً ؟ فترد ما بين الدهشة والإنكار، أنها لم تشاهد ولم يخطر ببالها أن تذهب للسينما، فيخبرها بأن السينما عالم آخر، ينسى الإنسان فيه الدنيا ويطير إلى عوالم أخرى ليست في الحسبان.
حينما نشعر بالملل، كثيراً ما نفكر في السينما، في الموسيقى، في السفر، في القراءة، في الذهاب إلى «المول»، في الجلوس مع أصدقائنا في مقهى جميل هادئ، بشرط أن تكون قهوته لذيذة وتخترق القلب قبل الدماغ .. خطر لي ذات مرة أن أسأل والدتي عن الأيام الصعبة التي عاشوها منذ سنوات طوال ذهبت وطواها النسيان، في تلك الأيام عندما كان الناس يشعرون بالملل، إلى أين يذهبون؟ إلى أين تذهب النساء وماذا يفعل الرجال ؟
نحن الذين ولدنا على أعتاب مرحلة أخرى غير تلك التي ولد وعاش فيها أباؤنا وأمهاتنا، فقد أتاحت لنا ثورة المواصلات والتقنيات، والرفاه المادي الذي تفجر بقدومنا الميمون، وتطورات المعيشة وانتهاء زمن الحروب العالمية وفترات السلام التي سادت العالم بعدها، فرصة ذهبية للخروج والبحث عن بدائل لقضاء الوقت، لم تكن بالتأكيد متوافرة أو تخطر ببال تلك النسوة والرجال الذين عانوا الكثير ليصمدوا في وجه القسوة والفقر والحرارة العالية ، لكن هؤلاء حين يحدثونك فإن لديهم المقدرة اللغوية ربما، وربما النفسية ليصبغوا تلك الأيام بألوان لا مكان فيها لغير الرضا والبهجة، مرددين عبارتهم الأزلية : ليت أيام الأمس تعود، إنها أفضل من أيامكم هذه!!
ماذا فيها أفضل يا ترى؟ يقولون لك : كل شيء فيها أفضل - ولتعلم بارك الله فيك - أنهم هنا يقصدون كل الممارسات والسلوكيات المرتبطة بالعرف والدين والتي كان الناس حريصون عليها ولم تعد موجودة اليوم، يقولون لك إن كلمة ملل وضيق لم تكن من الكلمات المتداولة في القاموس المحكي اليومي، لأن المرأة كانت تكدح طيلة النهار في بيتها بين طبخ ونفخ وكنس وغسيل وتربية ثمانية أبناء دفعة واحدة، فمن أين يأتي الوقت الذي سيشعرون فيه بالملل والضيق؟ في ذلك الوقت يكون النوم قد سرقهم قبل أن يفكروا في شيء آخر سوى اليوم التالي وما فيه من تعب آخر !!
الرجال والأولاد الصغار يذهبون إلى البحر فهو تسليتهم الوحيدة، وبعضهم يتسلى بالجلوس على المقهى الوحيد الموجود في الحي، لكن البحر هو الملاذ الأول والأخير، كما أن جلسات النساء هي تسليتهن الوحيدة مع الاشتغال ببعض الأعمال اليدوية من تطريز وخياطة ونحوهما.
جميل أن الناس لا تعاني من الضيق والكآبة والملل، والأجمل أن النساء كن يدرن بيوتهن بلا مساعدة وبلا تطفل أو تدخل من الشغالات اللواتي احتللن بيوتنا كالاستعمار، لكنني أشك في أنهن لم يعانين الملل أو الكآبة، الأرجح أنهن عانين كثيراً لكن الشكوى من الملل ربما كانت ترفاً في تلك الأيام الصعبة!


ayya-222@hotmail.com