من القاع، يأتي “بارام”، من قريته البعيدة عن العاصمة نيو دلهي، من لا كسمنغارا، حيث المعاناة الإنسانية متجسدة بامتياز في عدم توافر لقمة العيش بيسر ولا المأوى الآمن والخدمات الصحية والتعليمية، ليمر في نفق الحياة الطويل كي يحقق ذاته ويوجد على سطح الحياة وليس في قاعها مطموراً لا يرى ولا يُرى من عيون العالم وعيون بلاده وحكومته، مجرد نكرة يعيش في واقع مزرٍ بلا طموح ولا أحلام، وعندما تبدأ عيناه بالتفتح كي يكون ذا شأن يرى في “فيجاي” محصل التذاكر في الحافلة التي تمر على قريتهم المثل الأعلى والشأن الكبير المتمثل في بدلته الرسمية الأنيقة ولمستوى الاحترام الذي يحظى به من قبل الركاب ومن زبائن مقهى الشاي الذي يستريح فيه عند توقف الحافلة. وفي مقهى الشاي هذا، عمل “بارام” بعد أن أخرجته جدته من المدرسة كي يساهم في إعالة عائلته، في هذا، المقهى حيث يثرثر العمال والعابرون في الحياة والسياسة والتجارة في بلادهم، فتح بارام أذنيه كي يسترق السمع، فتفتحت بعض من دروب الحياة لدية ويصدف أن يعمل في بيت أحد أصحاب الأراضي والمال، ثم يتسلق ويصل إلى أن يكون سائقاً عند تلك الأسرة، ويذهب إلى نيو دلهي.. لتبدأ قصته مع الثراء. في رواية “النمر الأبيض” يكتب الروائي الهندي “آرفيند آديغا” سيرة بطل روايته الحاصلة على البوكر البريطانية عام (2008) في بناء محكم للعمل الروائي، ويقدم تفاصيل من قاع الحياة الهندية وكذلك من قمتها، فمن خلال “بارام” يسرد واقع حياة الناس في القرى ومدى معاناتهم الإنسانية، وكذلك ينبش بدقة في مجتمع السائقين الخاصين للساسة وأصحاب المال في الهند الحديثة، ومن خلال “أشوك” سيد بارام الرجل الثري الذي قضى زمناً من حياته في أميركا، يلمس واقع حياة الثراء والساسة والفساد المستشري في البلاد التي تمضي في الحداثة، وهي على مستنقع من الفساد السياسي والحياة المؤلمة لنسبة كبيرة من مواطنيها، سكان القرى، والأجساد البشرية الهائلة المكدسة في الشوارع الخلفية والطرقات. ويبدأ “آرفيند آديغا” سرده الروائي برجل أعمال هارب عن العدالة ومتخف باسم جديد وبأمواله وأعماله يراسل رئيس وزراء الصين “وِن جياباو” الذي من المقرر أن يزور الهند، وفي هذه الرسائل يكشف رجل الأعمال الهندي كيف بدأت حياته وإلى أين وصلت. رجل الأعمال الهندي هو ذاته الولد الشقي الذي تقاذفته الأقدار لأن يكون سائقاً خاصاً، حيث كانت كل أحلامه قد تركزت في هذه المهنة التي رأى أنها كل مستقبلة، إلا أنه في لحظة يدرك أن كل هذا المستقبل على وشك أن يضيع في لحظة تحريض من عشيقة سيد عمله “آشوك” لكي يستبدل سائقه، هنا تسقط كل قيم بارام في احترام السيد والإخلاص والولاء والأمانة، ليستقل لحظة مواتية يغادر فيها كل حياته الحالية إلى الثراء، حيث تتحقق حسب رؤيته، الآدمية والاحترام للإنسان في بلاده، ويقوم بارام بطعن سيده بقنينة وسكي مهشمة عدة طعنات حتى أن يقضي عليه ويهرب بسبعمائة ألف روبية هندية نحو حياته الجديدة. يقدم آرفيند آديغا مشهداً مريعاً للحياة الهندية خاصة للناس البسطاء، حيث يعشعش الفقر كموت على حياتهم، إلا أنه لا يقدم أي حلول، بل يستمر شكل الحياة نفسها بين الأجيال، تماماً كما هو الموت جوعاً وقتلاً وانهياراً لقيم الإنسانية في حياة قطاع شاسع من البشر على الأرض. saadjumah@hotmail.com