صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر-1

ناصر الظاهري

من زيارات الأسفار الممتعة، والتي تريح النفس، وتغير طاقتها نحو الصفاء والسكون، وتجعلها حين تغادر المكان ليس كما جاءت له، تلك التي تنوي فيها زيارة قبر ولي من أولياء الله الصالحين أو المكوث في حضرة صوفية أو جلسة روحانية، ينشد فيها المنشدون، ويدور فيها المتجلون بإيقاع يهادي الروح، ويزاغي الجسد، وقد كنت شغوفاً بذلك الحضور، كلما سمحت الظروف، وكلما كانت المدن مهيأة لمثل تلك الطقوس، وأحياناً أشدّ الرحال لأماكن بذاتها حين تتزعزع ثوابت القدم، وحين تطفو الأشياء الطارئة على قناعة النفس، فأنشد رجالات كان ثوب عتيق الصوف سترهم، والمحبة نور طريقهم، والدنيا آخر همهم، غايتهم الفوز بسكينة الروح، وذاك الرضا الذي يجعل النفس أقرب لمسالك السماء، ومعاريج الصفاء، مثل تلك الزيارة التي كانت لقبر محيي الدين ابن عربي في دمشق، وزيارة قبر رابعة العدوية في القدس، وزيارة السيد البدوي في طنطا، وزيارة سيدي محرز في تونس، وزيارة سيدي عبدالرحمن الثعالبي في الجزائر، وغيرهم كثير في مدن كثيرة تتوزع على جهات الدنيا الأربع. هي زيارات تسبقها أسئلة كثيرة قبل الوصول إليها، وأسئلة خلال طقوس الزيارة وهيبة المكان، واحتفاء الناس البسطاء والصادقين والأبرياء، وأسئلة بعد الزيارة، والتي ستظل تتبعك كظلك، لمَ هؤلاء الأشخاص دون غيرهم عاشوا في المكان وفي قلوب الناس، ويلجؤون لهم في عز التعب والوجد وأحزان المدن؟ لمَ يتهوب منهم الطغاة، وغزاة المدن، ويخافون الاقتراب من أمكنتهم، خوف تلك الدعوة المفتوح طريقها إلى السماء؟ هل هم أسطورة حقيقية تعيش في أزمان الناس المختلفة؟ ويتراءون لهم حين الشدة والحاجة والإلحاح في الدعاء؟ هل هم من صنع الناس، وتضخمت سيرتهم من جيل لجيل، محتفين بتلك البركة التي يشعرون بها، ودفء وجودهم بينهم؟ هل هم السلاطين الحقيقيون لمدنهم، وحرّاسها من الشرور والأشرار؟
كانت زيارات تشهد فيها بالبركة، وبتلك الإضاءة التي تلمع في القلب، وتعني التفاؤل، ثمة طاقة روحانية لا تشك أنها من صنع المكان، ومن صنع ذلك الراقد تحت عمامته الخضراء، تحوم حوله أدعية الناس ودخان البخور والمسك واللبان، تكون في عز تأملك، وسكونك وسكينتك، لكنك لا تتخلى عن ذلك الفضول الساكن فيك، تختلس نظرات للشاكية الباكية، وهي ترفل بتلك النضارة والوضاءة، وتقول: كم هو الزمن غدار، وكم بعض الناس ظالمون، ثم تتراجع وتقول: لعلها تطلب الولد. ومرة دخلت الحضرة في مدينة بعيدة على بحر مرمرة، وكان ليلتها استقبال مشايخ الطريقة من السودان وتركيا والبوسنة، فخطبوا في الحاضرين، ولم يكن يدري ذلك الصوفي وهو يخطب بالعربية أن هناك شخصاً مندساً بين الحضور، وواقفاً على نبرة، ويستطيع أن يعدّ له أخطاءه اللحنية والنحوية.. وغداً نكمل.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء