صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

المتزحلقون

الكثير من الناس يحب أن يعرف كل شيء، ويغرف من كل شيء، ويعزف على كل شيء، ويسف في كل شيء، ويجدف في أي شيء· هذا اللهف يغرقه في كثير من الأحيان في حومة الحسف، بعد ألا ينفع الأسف، يوم تغوص الشوائب في سواد الكنف· الكثير من الناس محاصر بالوهم، يعيش كما تعيش الدُّهم، الناس في عينيه رعاع وغنم، فلا صديق له ولا ابن عم، والكل لديه بقايا وهو الأهم·· فهو كالواقف على جبل أشم، يرى الناس صغاراً ويرونه عدماً· ظواهر ومظاهر، تتضافر كأثر حوافر على كومة رمل، يعتقد الناظر إليها أنها مآثر، وهي في الحقيقة مقابر بلا شواهد· في كل صباح تجلو الشمس الساطعة غباراً عن وجوه، ويفصح النهار عن سعار· نحاول دوماً أن نتكئ على النيات، لأن في مأثورنا أن الأعمال بالنيات، لكن البعض خالف المأثور، وجاوز المحظور، وسعى سعي الساعيات في الثغور، وصار يفكر بعقل أفقه أضيق من سم الخياط، يجول في المدى ويرقع ويبقع، ويقطع ولا ينقع· الكثير من الناس يكبر كثيراً وهو صغير، والآخر يصغر كثيراً وهو كبير، هو شر مستطير، وسيل غث ونفير، يحلب من بقرة عجفاء، ويخض اللبن الخثير· الكثير من الناس يلوب ويجوب، بوجه شحوب، وعين سغوب، وثغر نضوب، لا يعرف الطين من العجين، ولا العزف من الطنين، هو أشبه بالراعب المستهين، والماء الآسن المستكين، والكائن الشائه الهجين· الكثير من الناس عزوف عن الحياة، كلوف بما جناه، إن صارحته غضب، وإن ساجلته عتب، وإن صمت عن محادثته تعب، فهو كعب في عود خشب· الكثير من الناس شحيح في العطاء، سخي في الرغاء، عطي في الثغاء، جزيل في الهراء، هو وادٍ بلا ضرع ولا زرع ولا ماء، الكثير من الناس مسخ من شيء، وفسخ عن شيء، فلا هو طائر يطير، ولا كائن يسير، هو ما بين هذا وذاك من الأشباه يستعير، ومن الأنصاف يستخير، هو حمل كاذب لا رجاء فيه ولا خير·· الكثير من الناس كالنعجة ''دوللي'' ولدت من دهشة وانتهت بالصدمة·· هم مصدومون، مدهوشون، تائهون، حائرون، لائبون بين المبتدأ والخبر· الكثير من الناس دساس، جساس، رفاس، تذهله التفاصيل في الأمور، تخذله الأقواس ما بين السطور، فإن أوجزت له في الكلام بحلق، وإن فصّلت تحذلق، وإن جلت ما بين هذا وذاك تمطق وتزحلق ثم انفلق·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء