منذ أن اكتشف الإنسان حاجاته وتم تبادل المنافع بما اصطلح عليه، عمليات المقايضة، إلى أن ظهرت النقود، تبدل كل شيء في تاريخ البشرية، وأصبح المال مصدر التغيير. وبرغم التعبير الكلاسيكي الذي تتداوله معظم شعوب العالم في أن «المال ليس كل شيء»، بقي المال يثير فضول الشعوب والدول الكبيرة والصغيرة، وبسببه هدمت حضارات وأبيدت شعوب، بسببه تفشت الخيانة وتراجعت الذمم والقيم والمبادئ والأفكار. وفي الآن نفسه، بسببه بنيت حضارات وتقدمت شعوب وتطورت وتغيرت الحياة إلى الأجمل والأفضل والأرحب، وتمكن الإنسان من تحقيق المنجزات الطبية والاقتصادية والاجتماعية، والذهاب بعيدا في حقول الابتكار والاكتشاف. وفي الثقافة يلعب المال أيضا دورا كبيرا في التغيير الثقافي، للأمكنة والمدن والبلدان، حين يدخل المال ليعمر الثقافي ويزيد من وقع إحساس العامة بالجمال، فالمدن تكبر في حالة توفر المال، ولكنها يمكن أن تكبر باتجاه الغرق، روحيا وسلوكيا إذا ما غاب تكريس الثقافة، كحقيقة منطقية تحس وترى وتتحقق في اليومي، وأصبح الاستهلاك هو الهدف والشغل الشاغل للناس. يمكن للمال أن يحيل قرية إلى مدينة ببناء أبراج وفنادق وأسواق، وينتشل أهلها الرابضين في السكينة زمنا طويلا من عالمهم إلى واقع جديد، بل أن تشهد هذه المدينة الجديدة معلما أو نشاطا ثقافيا حقيقيا يندرج داخل الفنون بمعناها الجميل.. مدينة لا تعرف سوى أن تربح فقط، وأن الثقافي خارج أولوياتها. ففي هكذا مدن تغيب الحياة بمعناها الإنساني العميق. وعندها يجب الاعتذار كثيرا وطويلا لأهل تلك القرية الذين شوهوا إلى الأبد. أما عند تكريس الثقافة في بناء المدن، فإن كل شيء يضيء، ويعمر حوار جميل وسلوك كبير وإحساس عالي بالوجود وفتنته؛ فعندما تزخر المجمعات السكنية بالخدمات الثقافية كالمكتبات والأندية الثقافية ومراكز تعليم الموسيقى والمسارح، فإن تخيل جمال ذائقة الأجيال التي تنهض في تلك الأحياء يكون فوق حدود الوصف، عندما توجد المتاحف التي تحفظ التراث البشري والمنجز الفني والجمالي القديم والجديد لابن المكان، والجامعات المتخصصة في الفنون والمؤسسات الثقافية الكبيرة التي تعتني بمبدع المكان وبالمكان بشكل حقيقي وصادق وتنفتح على الجمال في العالم، فإن النور يتمدد في المدينة من أقصاها إلى أقصاها. عندما يتم كل ذلك بجانب عملية البناء يتغير إيقاع اليوم ويتحول السلوك البشري ليصير حضاريا ومؤنسنا بقدر كبير من روح الانفتاح على الآخر والتواصل والقبول والقدرة على الحوار الذي يؤسس لمبادئ إنسانية كبيرة. saad.alhabshi@admedia.ae