مرة.. جلسنا مع صديق وزميل عمل آيرلندي نتبادل أحاديث في الحياة وحكمة وجود الإنسان فيها وعمارتها، بعد ما ملّ هو وبعض أصدقائي من المناقشة والتباري بالأرقام وخصوصيات العمل المشترك بينهما الذي بالتأكيد لا أفقه فيها شيئاً، وإذا ما أمسكت بطرفه، فسرعان ما تملّ نفسي وتشرد في الذي يثير إعجابها واندهاشها، وكان من ضمن ماطرحه الايرلندي أنه لم يحلم منذ عشرين عاماً تقريباً، وكل الذي يتذكره أحلاماً في زمن الصبا، حينما كانت تنهره أمه عن التبول في الفراش، بعدها لم يعد يتذكر أحلاماً بعينها، أحياناً كثيرة يقول إنها أضغاث أحلام تختلط عليه مع الأفلام السينمائية التي شاهدها في نفس الأسبوع، فصدمنا جميعاً، ولم أعتبرها حالة فردية أو أنه يشذ عن قاعدة الناس، ذهبت بالمسألة بعيداً وعميقاً، مقارناً حالنا وما آل إليه مآلنا، فنحن نصنع أحلامنا وكوابيسنا، وغيرنا من المجتمع يشارك في تلبسنا ضغوطات يومية وممنوعات ومحاذير ونواهي ومحرمات، فتظهر لنا في كل ليلة حلماً ثقيلاً لا ترغب فيه النفس أو كابوساً يفزعك من نومك، فالآيرلندي لن ينصت بعد ما يبلغ سن الرشد إلى المواعظ والوصايا، لأنه بلغ عمراً يعطيه بعض التعقل في الحكم على الأمور، ويظهر بناء شخصيته التي أوصلها أهله والمدرسة والأصدقاء ومؤسسات في المجتمع إعلامية وتعليمية إلى النضج، لن يقبل أن يأتيه واحد ويترجاه أن يدفع مبلغاً لبناء كنيسة إذا لم يكن هو مقتنعا بذلك، لن يتركه أهله دون مراقبة وإرشاد في طور التعلم والتعليم الابتدائي أو الإعدادي لوحده لمعلم يهذي بعذابات القبور وأهوال يوم القيامة، وعقله لم يتشكل بعد أو يصوروا له الإله أنه وراء الكوارث والزلازل وقتل الأطفال الأبرياء، لأن الكبار أذنبوا وفسدوا في الحياة، لذا تقل أحلام الايرلندي وتكثر الجواثيم على صدر العربي والمسلم.
راقبوا ما تقولون لأطفالكم من عرب ومسلمين، ستجدون أنها عبارات تخويف وترهيب لردعه عن لعبه وما يحثه عليه عقله الصغير، وتتمناه نفسه الخضراء، فتطمس شخصيته، وتبقى نفسه دائماً خوّافة ومترددة وضعيفة تجاه اتخاذ رأي، وخجولة اجتماعياً في مواجهة متاعب الحياة، نبدأ بالتخويف من الشرطي، والتخويف من الأب الغائب حتى يحضر، والتخويف من الجن والسحرة، وحين ندخل المدرسة تبدأ تخوفات أخرى، المعلم وعصاه، المدير واستدعاء ولي الأمر، الامتحانات، الرسوب والدوائر الحمراء، الحرام، العذاب، الحساب، معاصي الدنيا وشبهاتها، الشرف “الجنسي” شرف العائلة، سمعة القبيلة، ما سيقوله الناس عنك، لا تناقش في أمور ثلاث: الدين والجنس والسياسة، لا تفكر فيما سطّر في القرطاس، وووو.. والنتيجة أحلام ليلية، وقلق حياتي مخيف، وفزع من الغلط، وعقل يدور حول ما قيل له، وما نهي عنه، والصراع في كل لحظة بينه وبين نفسه!



amood8@yahoo.com