طلب مني أحد الشباب أن اقرأ مقالاً كتبه في مدونته حول خلل التركيبة السكانية، وهي واحدة من الإشكاليات العميقة الأثر في الإمارات ومعظم دول الخليج العربي، وقد طرحها الكاتب بطريقة تنم عن حساسية عالية بالمشكلة باعتباره مواطناً إماراتياً على تماس مع مظاهرها وتأثيراتها بشكل دائم، لذلك فمن المستحيل أن يتناولها بحيادية وتجرد وهو أمر مفهوم ومقدر، لكن ملاحظتي التي قلتها له وتقبلها بدوره بصدر رحب، هي أن مقاله كان بحاجة ماسة لاستدلالات رقمية تزيد في توثيق المشكلة، وتقوي حجج الإقناع التي طرحها أمام القارئ.
إن كثيراً من كتابنا وطلاب الجامعات، والباحثين، وربما أساتذة الجامعات يفتقرون إلى معرفة الجهة الأساسية المخولة رسمياً بإعطاء البيانات والإحصاءات الموثقة حول كل ما يتعلق بأرقام السكان وإحصاءات العمالة والبطالة، ومعدلات النمو والتنمية والتجارة الخارجية والداخلية والإنفاق المحلي والدخل والناتج القومي و.... كل هذه الموضوعات وغيرها كثير لا يمكن الحديث، أو الكتابة حول مواضيعها دون الاستعانة بالأرقام التي تعزز المعلومة، وتقوي الحجة، وتدفع الى ترابط منطقي يقود إلى تحليل موضوعي قد يساعد في التوصل إلى مقترح أو اتخاذ قرار.
وبالرغم من أن لدينا أكثر من جهة معنية بتوفير الإحصاءات والأرقام المؤكدة حول الظواهر مثار الجدل في المجتمع بشكل صادق وموضوعي بعيداً عن المبالغات أوالتزييف والكذب إلا المركز الوطني للإحصاء في العاصمة أبوظبي لابد أن يعتمد رسمياً وبشكل واضح كمرجعية نهائية بالنسبة للإعلام والباحثين وطلاب المعرفة، تجنباً لظاهرة يعاني منها الجميع، وهي ظاهرة التضارب في البيانات التي تعلنها العديد من الأجهزة والجهات المعنية في الدولة، حتى أصبحت سمة واضحة في معظم الكتابات الصحفية والتقارير الإخبارية وحتى الأبحاث العلمية التي تعد لنيل الماجستير والدكتوراه، وهنا مكمن الخطورة، حيث أصبح من الصعب التأكد من دقة معلومات معينة والاستناد إليها.
تنشر الصحف أحياناً أرقاماً مأساوية وأخرى تجميلية منحازة تخدم بعض المصالح، فيختلط الحابل بالنابل في بعض الأوقات، وهنا يطرح السؤال من هو المسؤول عن هذا الخلل الذي يتجلى في ظاهرة تضارب البيانات؟ هل هي مسؤولية وسائل الإعلام التي تنشر تصريحات جميع المسؤولين وبياناتهم المختلفة، أم هي مسؤولية مراكز الإحصاء الرسمية التي لم تستطع توصيل المعلومة والإحصاء الصحيح والدقيق للجمهور ؟ أم هي مسؤولية الجمهور والكتاب والصحفيين الذين يفسرون البيانات والمعلومات وفق أهوائهم؟
تنشأ مشكلة الإحصاءات عندنا بسبب باحثين، أو إعلاميين يعانون ما يعرف بـ”أمية الأرقام “ فلا يدركون المعاني الضمنية الكاملة لما يقولونه، أو يكتبونه وينشرونه بين الناس، لنأخذ قضية العاطلين عن العمل في الإمارات مثلاً من يمكنه أن يدعي بأن لديه رقماً محدداً وإحصائية موثقة لأعداد العاطلين من الشباب؟ أما بالنسبة للسكان الإماراتيين، فما هي النسبة الصحيحة من مجمل سكان الإمارات؟ عندما نتكلم عن هذه الظواهر فإن أول ما يجب علينا تمييزه هو الفرق بين الرقم أو النسبة ودلالتها عند الجمهور، فنسبة صفر للسكان تعني للناس أنه لا إماراتيين في الدولة ورقم 50 ألف عاطل تعني أن خمس الشباب لايعملون، وهذه أرقام مروعة وليست مقلقة فقط !!
إن ما يدفع الناس لقبول الإحصاءات دون تردد، افتراضهم أنها تأتي من خبراء يعرفون ما يفعلون، أو أنها إحصاءات مستمدة من جهات رسمية خاصة البيانات حول معدلات الجريمة والبطالة والفقر، والتعداد، والخلل السكاني، لذا علينا أن نكون في غاية الدقة كي لا نتسبب في حالة تشويش ورعب بين الناس دون أن ندري.


ayya-222@hotmail.com