لكل مهنة في هذه الدنيا وجه ظاهر مرئي وآخر مخفي كسواد الليل. واحد مسموح له بالكلام وآخر مسكوت عنه، حتى الجمادات لها وجوه كثيرة دائماً ما يكتشف الإنسان مواطن الجمال والقبح فيها حتى بعد مرور فترة من الزمان، فعلى الرغم مما قيل وكتب حول مهنة الغوص بحثاً عن الرزق في أعماق المجهول، ومهما قيل فيها من قصائد مدح تمجد هذه المهنة وتصفها بأنها مصنع الرجال، إلا أن مهنة الغوص وركوب الأمواج العاتية كان لها وجه مرير وقاس جداً، جاء من صنع الجشع الإنساني وتسلطه كما هي الأشياء في وقتنا الحاضر. يقال مثلاً أن قائد السفينة، أو النواخذة في عرض البحر، قاس جداً، لا يملك عاطفة أو حناناً، فلا يمكن مثلاً مقارنة سلوك النواخذة في البحر بسلوك قائد في البر يقود مجموعة من المسافرين بالجمال عبر الصحراء، الذي يمتلك عواطف جياشة تجاة من يرافقونة بالرحلة.. فشتان بين سفينة البحر التي هي من صنع الإنسان وسفينة الصحراء التي أبدعها الخالق. لقد مارس العديد من النواخذة وتجار اللؤلؤ في زمن الفقر والحاجة معاملة تعسفية متسلطة بحق البحارة نالت من كرامتهم قبل أرزاقهم في الكثير من الأحيان، وكان نصيب البحارة من الغلة لا يكاد يسد رمق من تقع عليهم مهمة إعالتهم بعد رحلة محاطة بالمخاطر، أقلها الغوص في ظلمات البحر الموحشة. ولم تكن معاناة النساء أقل، فالقصص المؤثرة التي حملها التراث المحكي، من أشعار وأهازيج وغيرها، جسدت تلك الحياة القاسية والمعاناة في تلك الحقبة الزمنية، وذلك من خلال غياب الزوج والعائل لأوقات تصل لأكثر من الشهر دائماً، وقد يطول هذا الغياب للأبد، وفي أحد الأبيات التي تم تناقلها بين الأجيال تصف أمرأه معاناتها بذهاب زوجها إلى الغوص فتقول: نار في قلبي مورايه .. والبحر ما ظني يطفيها تشتعل في لبة إحشاي .. الكوس والغربي يزاغيها لو عيوز سمعت إبجاي .. في القبر لي ونت لهاليها إن التعامل مع تاريخ الغواصين وتاريخ من عاشوا في الصحراء يكشف عن مفارقات مدهشة، فرغم قسوة الطبيعة على من يعيشون في الصحراء إلا أنهم سنوا من الأعراف والقوانين ما ينظم الحياة بينهم، ويحفظ للجميع حقوقهم، في حين أن الأمر اختلف تماما في البحر الذي شهد ظلماً وقسوة من الكبار بحق الصغار. لقد ذهب الماضي بكل ما فيه من قسوة وظلم وحاجة وعوز. وبقي الوطن بعد أن قاد سفينته رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وأكمل الأبناء ما شيده الآباء، ونسينا جميعاً أيام الشقاء والحاجة، بعد أن عوضنا الله عنها بحكام نشروا العدل ومسحوا بأيادي الود والحنان جراح من ظلمتهم أيام الشقاء، فهنيئا للإماراتيين.