انتهت أعمال منتدى الإعلام العربي، وخرجت التوصيات وتم توزيع الجوائز على الفائزين، وحظا أوفر للذين لم يحالفهم الحظ، لكن بلاشك فإن الإعلام العربي هو الفائز دائما وأبداً حيثما كانت هناك مساحات – ايا كان حجمها – لتداول قضاياه وشؤونه، وإعلامنا العربي يعاني من الكثير مما يحتاج الى نقاش وحوار وجدل واختلاف، وأظن أنه سيكون مناسبا أن يعقد المنتدى المقبل تحت عنوان الحريات في الإعلام العربي، وأن تفرد جلسات للنقاش حول مستوى الحريات في اعلامنا المحلي، حيث من الواضح أن هذه الحريات آخذة في التراجع شيئا فشيئا، وأهل الاعلام أول من يعرف وأول من يعاني من انحسار الحرية في أية وسيلة اعلامية، حيث لا يستقيم الظل اذا كان العود أعوج كما يقول المثل !!
الحرية هي الرئة الصحيحة التي يتنفس بها الإعلام وبواسطتها ينافس ويرتقي ويتقدم، ويؤدي وظائفه المطلوبة منه: أولا كناقل للأخبار والاحداث وكمنبر يستطيع الناس من خلاله أن يعبروا عن آرائهم بحرية وموضوعية دون تمييز أو قيود، وثانيا كوسيلة للحصول على المعلومات وتحقيق ديمقراطية الاتصال بين الناس في المجتمع، وبالتأكيد فإن الاعلام لن يتمكن من تحقيق هاتين الوظيفتين دون توافر الحرية المطلوبة التي تتيح للإعلاميين سرعة ومشروعية الحصول على المعلومات دون تعقيدات مقصودة.
لقد كان تحدي مضمون وسائل الاعلام تحديا حقيقيا استحق النقاشات التي دارت حوله بالرغم من التفاوت الواضح بين مستوى الجلسات ومستوى المتحدثين، الا أن القضية كانت مهمة جدا، وتعتبر من وجهة نظر منهجية الجزء الاول في سلسلة التحديات التي تواجه الاعلام العربي، وعليه فمن المهم أن يستكمل هذا الجزء بالحديث عن التحدي الآخر المهم وهو تحدي تناقص منسوب الحرية في إعلامنا بشكل عام، حيث تبدو المسألة خطيرة جدا وتشير الى أنها ستتزايد في الفترة المقبلة مع تزايد التأزيم السياسي في المنطقة، وتعالي نبرة تبادل التهديدات بين أقطاب النظام الإقليمي مع تعالي لهجة التهديد باتجاه ايران.
من المعروف أن حرية الإعلام تتناسب عكسيا مع تزايد مستوى الأزمات السياسية والأمنية في أي مكان فأول ضحايا الأزمات هو الإعلام دائما، فماذا يفعل الإعلامي والصحفي حين يعيش في منطقة متأزمة على الدوام ؟ كيف يمارس مهنته وكيف يؤدي ما عليه من نقل الأخبار وتحليلها وإعادة صياغتها على شكل مقالات رأي وأعمدة تعبر عن مواقف واتجاهات الرأي العام ؟ على السياسيين أن يفكوا الارتباط بين السياسة والإعلام بعض الشيء وبالشكل الذي يسمح للإعلام بأن يتنفس بعيدا عن الرقابة الخانقة التي فرغت الإعلام العربي من محتواه وهدفه وجوهره وجعلته مجرد إعلام متشابه ومتكرر لا يسمن ولا يغني من جوع !!
في واقعنا المحلي تناقص هامش الحرية الصحفية كثيرا لأسباب لا ندركها، لكن القارئ يلاحظ هذه الظاهرة بشكل واضح حيث انعكس الامر على اعمدة الرأي وتفاعل الجهات المعنية بالنقد مع ما ينشر، ففي حين كان هناك جيل من المسؤولين منذ عدة سنوات يتفاعل ايجابا وبشكل سريع مع ما ينشر أصبحت اللامبالاة والتطنيش الكامل سمة بارزة للمسؤولين اليوم وكأن ما ينشر لا يعنيهم أو أنهم لا يقيمون وزنا للنقد المنشور عملا بالقاعدة التي تقول: “دعوهم يكتبون ما يريدون وسنفعل نحن ما نريد” وهي قاعدة لن تساعد على تطوير الإعلام أبدا !

ayya-222@hotmail.com