عام يمضي، ومحمود درويش تحت التراب. اختار أن يُدفن في مسقط رأسه، البروة، في الجليل، فدفنوه في بقعة من رام الله، تشرف على الجليل. وهل اختار؟ أم لا؟ أن تجمع له قصائد بعد الموت، وتُنشر في ديوان صدر بعنوان «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»... ونُشرت القصائد وكان من أمرها ما كان. وكان قد كتب في ديوان من دواوينه، هو ديوان «حالة حصار» قصائد إنسانية من بينها قصيدة كتبها في غرفته في رام الله، والدبابات الإسرائيلية تحت شرفة المنزل، يقول فيها ما معناه، مخاطباً اليهودي (أو الإسرائيلي) (والحدود بينهما غامضة): لو افترضنا جدلاً أنه ضمّني أنا وأنت، خندق واحد، وأننا معاً معرّضان للموت، فهل تقتلني أو أقتلك؟ والحال أن القصائد الأخيرة لمحمود درويش، تخلت في جوهرها عن فكرة القتال ضد العدو الإسرائيلي الذي يحتل أرضه، بالمعنى العسكري للكلمة.. فهو بعد أوسلو، لم يعد يؤمن بالكفاح المسلح، وصار يحلم أحلاماً طوباوّية تميل في جوهرها الى حل إنساني، غاندوي (نسبة لغاندي الذي حرر الهند من الاستعمار البريطاني من خلال الاعتصامات والتظاهرات السلمية وقوة الموقف الإنساني)... فلم ينظر لليهودي على أنه عدو، بل على أنه الأخ الضالّ.. ولم ينكر عليه حقه في أن تكون له، على أرض فلسطين بالذات، دولة وكيان... ولكن بشرط أن لا يفترس أخاه، ويقتله ويشرده ويغصبه حقه.. وتحولت قصائده الأخيرة الى ما يشبه التعاليم الإنسانية الأخلاقية: قبل أن تأكل رغيفك فكِّر بالجياع. قبل أن تشرب فكِّر بالعطاش... الخ (ينظر ديوان حالة حصار)... ومات وهو على هذه القناعة.. وهي قناعة إنسانية عالية.. إلا أن لنا هنا ملاحظتين: الأولى تتعلق بكفاح غاندي السلمي ضد الاحتلال البريطاني، إنّ العنصر الحاسم في الاحتشاد السلمي الهندي هو عدد المحتشدين المعدودين بالملايين وأكثر... إن حشدهم الهائل هو سبب انتصارهم في مقابل العدد الضئيل الضئيل الذي لا يكاد يُرى من المستعمر البريطاني حتى ولو كان مسلحاً. وهو أمر لا يقاس عليه بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين. يضاف لذلك أننا نرى في هذا الموقف الأخلاقي الكبير لمحمود درويش، ترفاً إنسانياً لا تحمله العنق الفلسطينية تحت السكين الإسرائيلية.