منذ يومين كان الصباح رائقا بعض الشيء، والحرارة لم تشتد بعد، بينما الكل يتعوذ من شر الصيف الذي يبدو على أبواب الوقت قاب قوسين أو أدنى .. كنت على أعتاب جامعة الشارقة لأمر ما، فإذا بالأفق يكفهر ويتلون بالأسود بشكل مخيف، لا أحد بدا مهتما بأمر الدخان الأسود، هذا بحد ذاته كان مؤشرا غير مريح خاصة بالنسبة لطلاب كلية الاتصال، مضى بعض الوقت ولم يطرح أحد أي سؤال حول الدخان الذي تبين فيما بعد أنه ناتج عن احتراق مصنع للأصباغ في المنطقة الصناعية بإمارة الشارقة.
حرائق المنطقة الصناعية مسلسل قديم يتجدد كل يوم، فنحن أمام حوادث متشابهة تحدث في المكان نفسه منذ عدة سنوات، فلا تمر عدة أيام دون حريق، ينتهي أمره بمجرد مغادرة سيارات الدفاع المدني وآخر مصور ومحرر صحفي جاءا لتغطية الحادث، وفيما عدا ذلك شكليات يتولاها رجال الشرطة وشركة التأمين مع إدارة الجهة التي نشب فيها الحريق .. فهل ينتهي أو يجب أن ينتهي الأمر عند هذا الحد فعلا ؟
أن يحدث تلوث بيئي بالشكل الذي رأيناه بالأمس في سماء مدينة الشارقة فهو ليس بالأمر البسيط أو الذي يمكن أن يتم تمريره ببساطة، إنه تلوث بيئي بكل معنى الكلمة، ولو أن للصحافة نفساً أطول مما هي عليه الآن لوجدنا القضية تتصاعد وتتحول إلى قضية رأي عام، لأنها تتماس مع عنصر حيوي في حياة الناس وهي الصحة العامة، فذلك الحريق والأدخنة والمواد الكيميائية التي تصاعدت في سماء المدينة لم تتحلل في الهواء بسلام آمنين، بل تخللت طبقات الجو وأجساد الناس وتحللت في دمائهم وهذا هو مكمن الخطر !!
إن هذه الحرائق التي تحدث كل يوم لا تحدث من فراغ، بل إن جزءا كبيرا منها سببه الإهمال في توفير الشروط والضمانات الأمنية التي يجب توافرها في كل منشأة صناعية وعليه فإن على المهمل أن يتحمل جزءا من المسؤولية تجاه الصحة العامة وتجاه البيئة والمجتمع، وأن لا تمر الحوادث هكذا دون أعباء ومسؤوليات في كل مرة تحدث فيها.
لقد بادر المصنع الذي اشتعلت فيه الحرائق أول من أمس بتطمين عملائه في صباح اليوم التالي إلى أن خطوط انتاجه سليمة وأن كافة الطلبيات ستسلم في مواعيدها، وهو سلوك يدل على الالتزام والمسؤولية تجاه العميل، لكن أما كان جديرا بالمصنع أن يبادر بالاعتذار من أفراد المجتمع الذين تضرروا من الحريق ومن كمية التلوث التي نفثتها الحرائق في الهواء، أما كان جميلا منهم أن يعلنوا مسؤوليتهم عما حدث ولو بشكل جزئي، وأن يعدوا هذا الجمهور المسكين بأن هذا الأمر لن يتكرر ثانية من قبيل الالتزام أيضا بالمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع الذي يوفر للمصنع إمدادا دائما بالاستمرار والبقاء ؟
حكاية قديمة.. حدث منذ عشر سنوات أن تسرب غاز سام من أحد المصانع في اليابان، وتناقلت الصحافة الخبر وحللت تأثيرات الغاز على الصحة العامة وتحول أمر المصنع إلى قضية رأي عام، فما كان من مدير المصنع إلا أن جمع الصحافة معتذرا قبل أن يقدم استقالته.. هي ثقافة مجتمع ينظر إلى صحة الناس مثلما ينظر إلى مصالح أرباب العمل .. فمتى تصلنا هذه الثقافة ؟

ayya-222@hotmail.com