لجبل قَافَ في كُتبِ التراث العربيّ الإسلاميّ مكانةٌ عجيبةٌ عجائبيّةٌ معاً، فقد ورد ذِكْرُه، فيما لديّ من مصادرِ، زُهاءَ ستّين مرّةً، تكرّرَ فيها مائةً وثمانِيا وثمانين مرّةً. وقد كان الخيال العربيّ يجعل هذا الجبل على أنّه من جغرافيا العالم، وأنّه، كما ورد في “الفتوحات المكية” “جبل عظيم طوّق اللّه به الأرضَ، وطوّقَ هذا الجبلَ بحيّة عظيمة قد جمع اللّه رأسَها إلى ذنَبها، بعد استدارتها بهذا الجبل. قال موسى: فاستعظمتُ خلْقها قال، فقال لي صاحبي الذي كان يحملني: سلّمْ عليها فإنها تردّ عليك، قال: ففعلت، فردّت السلام...”. فتلك الحيّة العظيمة لم تكن مسخَّرة لحراسة جبل قاف المحيط بالدنيا فحسب، ولكنها كانت تعقل وتتكلّم وتعرِف أسرار الغيب، وطبقات الأولياء وأحوالهم. ولذلك سألتِ الحيّةُ البدَل عن أحوال أبي مدين، ساكنِ مدينة بِجاية، فعجِبتْ من الناس يرمونه بالزندقة مع أنّه وليّ كريم، ولا يُبغضه إلاّ فاسق أو كافر. وقد تسرّع الشعرانيّ، فنسب الذهابَ إلى جبل قاف إلى محي الدين بن عربيّ نفسه، مع أنّ الشيخ ابن عربيّ لم يزد على أن روى الخبر عن يوسف بن يخلف الكومي، عن موسى السرداني... وكان هذا الجبلُ متمثَّلاً في الخيال على أنه مرتفع جدّاً بحيث لا يبقَى فيما بينه وبين السماء إلاّ مقدارُ قامة رجلٍ، وذلك بحكم أنّهم كانوا يتمثّلون السماء قبّةً عظيمة تنحدر على أقصى الأرض؛ وأنّه ليس بعده إلاّ أعمال الآخرة! وقد ارتبط هذا الجبل بالخيال الصوفيّ، ولا أقول بالفكر الصوفيّ، فكان هو الحيّز العديم النظير على الأرض، فكان فيه السلام والأمن والخصبُ، فكان مَزاراً للأولياء، وكان لا يبلغه إلاّ من بلغ مقاماً عالياً في الولاية بحيث يستطيع أن يكون قادراً على الطيران، أو يسخِّر اللّه له شخصاً يحمله وهو طائر، من أجل أن يُدفَعَ إليه، إذْ كان الوصول إليه سيْراً على الأقدام أمراً مستحيلاً. ويبدو أنّ حكايات “ألف ليلة وليلة” أسهمتْ في ترسيخ هذا الحيز العجائبيَّ في الذهنيّة العربيّة الإسلاميّة، حيث ورد ذِكر جبل قاف إحدى عشرة مرّةً على الأقلّ، على أنّه حيز جغرافيّ، في حين لم يكن إلاّ حيزاً أسطوريّاً من تمثّل الخيال العربيّ الخصيب. وذكر القاموس المحيط جبل “الحِجاب” على أنّه “جبل دون جبل قاف”، فهذان الجبلان، بالقياس إلى الشيخ الفيروزابادي، جبلان جغرافيّان، لا أسطوريّان. وانتقد الزّمخشري ذلك حين مرّ ذِكْر “الحجاب”، في القرآن، فقال: “ومن بِدَع التفاسير أنّ الحجاب جبل دون قاف، بمسيرة سنة تغرب الشمسُ من ورائه”، ولكنّ الشيخ، فيما يبدو، كان ينتقد معنى الحجاب، لا وجود جبل قاف نفسه. ويذكر المقريزيّ “أنّ أمهات الجبال جبلان: خرج أحدهما من البحر المحيط في المغرب آخذاً جنوباً، وخرج الآخر من البحر الروميّ آخذاً شمالاً، حتى تلاقيا عند السّدّ، وسمّوا الجنوبيّ قافَ، وسمَّوُا الشماليَّ قاقُوناً. والأظهر أنّه جبل واحد (...)، وأنه هو الذي يسمَّى بجبل قاف”.