صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

رجل نبيل

أصبت بالدهشة والفخر والاعتزاز وأنا أراقب هذا الرجل الذي ارتدى اللباس العسكري، ووقف كتفاً بكتف مع رجال النظافة ليساعد في كنس الشارع من مياه المطر المترسبة عند أطراف الشارع·· شرطي المرور كان جميلاً، كان نبيلاً، كان أصيلاً، يؤصل معنى التفاني، والصدق، والإخلاص في العمل، ويرسخ معنى من معاني نكران الذات، من أجل الحفاظ على حياة الناس وأرواح الذين يرتادون هذه الشوارع، ورغم خطورة المكان الذي وقف فيه هذا الشرطي المجد المجتهد، كون الشارع مأزوما ومزدحما بالسيارات، والتي سار بعضها بسرعات جنونية مخيفة إلا أن هذا الرجل كان يمارس وظيفته، وأبعد من وظيفته بنفس راضية مرضية، وروح تسامت عن كل الصغائر، فلم يستنكف هذا الجهد، ولم يأنف أن يقف إلى جانب الذين انهمكوا في التنظيف، بل إن من رآه كان يحسب أنه أحد منهم، وهذا بطبيعة الحال إن عبّر عن شيء فإنه يُعبر عن أن ''لدينا رجالاً'' لا يكفون عن التعب من أجل راحة الآخرين، لا يملّون من سح العرق من أجل توفير الأمان لغيرهم، ولا يكلّون من بذل الجهد من أجل منع الخطر عن سواهم·· ما فعله هذا الشرطي النجيب الأريب، هو درس وعظة لنا نحن جميعاً، وهو عبرة لغيره الذين يمارسون الوظيفة كما تفعل ثلاجات البيبسي في الشارع، والتي تعمل بنظام خذ وهات·· هذا الشرطي يضرب مثالاً للمثالية ونموذجاً للإخلاص في وظيفة هي من أقدس الأعمال الإنسانية، فحين يقف إنسان في عرض الشارع، من أجل ترتيب المكان وتشذيبه من كل ما يعرض أرواح البشر للخطر، إنه بذلك يؤكد أن وظيفة الشرطي رسالة سامية يجب أن يحتذى بها ويجب أن يقتدي بها كل إنسان يشغل وظيفة في أي مجال من مجالات الحياة·· هذا الشرطي لفت أنظار كل من مر في هذا الشارع وأدهش الجميع وأسعد الجميع وملأ قلوب الجميع بالغبطة والحبور والشعور بالاعتزاز بأن من بيننا يعيش رجال يستحقون كل الإكبار والإجلال ونقف لهم جميعاً منحنين مبجلين مقدرين ما يفعلونه وما يرخصون النفس من أجله·· أقول طوبى لهذه الأم التي أنجبت هذا الإنسان وبورك من رجل ترعرع على يديه هذا الابن·· وبشرى لهذا الوطن الذي أنبت هذه الأشجار الفارعة اليافعة، النافعة، المبهرة في عطائها المذهلة في سخائها، الهائلة في بذلها، وعرقها·· إنه عرق الماء الفرات تشربه الأرض فتخضر فخاراً واجلالاً ونهوضاً ورقياً·· مثل هذا الرجل كثيرون يستحقون أن يحملوا شعار الإمارات ويستحقوا ارتداء هذا اللباس العسكري الذي نرفع له السلام وألف سلام وسلام على هذا الوطن، وسلام على أهله الأوفياء النجباء الذين لا يبخلون في مده بالمدد السديد وإروائه بنبض الحياة التليد، وتخليد اسمه في صفحات التاريخ المجيد· نماذج مثل هذا الرجل لا تمر مرور الكرام، ولا يمكن أن تخفى عن بصر أو يذهلها بشر، هي نوارس تحط على شواطئ القلب، فتملؤه من بياض سريرتها ضوءاً· نماذج مثل هذا الرجل يأبى الإنسان إلا أن يتوقف عند محطاتها ليرصد الحلم، ويرقب ويحسب، ويكتب عنها وعن نفسه التي يتمنى أن تصبح توأماً لهذه الأرواح السخية·· حفظ الله هذا الشرطي من كل سوء، وبارك فيه وأمثاله ذخراً لهذا الوطن·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء