أظن - وقد يشاركني الكثيرون هذا الظن - أننا من المجتمعات القليلة التي لاتزال تتشبث بقواعد السلوك والعلاقات الاجتماعية الطيبة وذات النسق القيمي العالي،لا أزعم أننا مجتمع مثالي أو رسولي، ولكن أقول إن كبار السن عندنا لايزالون يحتلون مكانة عالية في نفوس ووجدان المجتمع والأبناء، حتى برغم هذه الحكايات المتناقلة، أو التي ترويها بعض الصحف والمجلات عن العقوق وجحود الأبناء وغير ذلك، كما أظن أن لدينا جيلاً من شباب اليوم هم أفضل حالاً في تقديرهم ونظرتهم لكبار السن، تلك ظاهرة تسترعي الانتباه وتدعو للفخر، لأن ذلك يعني أن مناهج التعليم لدينا جيدة، وأساليب التنشئة الأسرية كذلك، وهذا أمر يستحق الإشادة على أية حال!
ومع ذلك، فكبار السن غير موجودين في أفق الرؤية، وفي التفاصيل الحياتية اليومية، نحن لا نراهم إلا في البيوت، أو في غرف انتظار الطبيب، أو على أسرّة الأقسام الداخلية في المستشفيات، ليس لأن المجتمع يتجاهلهم، ولكن لسببين حسب اعتقادي، الأول يعود إلى حالة الاكتئاب التي يدخل فيها كثير من كبار السن، فيستسلمون لأسرة المرض، أو للعزلة والجلوس في المنزل نتيجة أوضاعهم الصحية، وتبدلات الحياة التي ما عادوا يستوعبون وقعها السريع جداً، أما السبب الثاني، فلعدم وجود أماكن، كالأندية والمقاهي الخاصة بهذه الفئة العمرية تكون موزعة على الأحياء السكنية، وتساعد على إخراج هؤلاء من عزلتهم والتقائهم من هم في مثل سنهم، الأمر الذي سيؤدي حتماً لكسر حاجز العزلة، ولاحقاً التغلب على العديد من الأمراض وتحديداً مرض الزهايمر والاكتئاب !!
وهنا فنحن حتى الآن لم نلتفت إلى هذه المسألة الجوهرية في العلاقة بين الأجيال، نعم لدينا شباب في معظمه يحترم ويحب كبار العائلة، لكنهم لا يعرفون أو لا يجيدون التعامل مع عقليات هؤلاء الكبار، وهم على أتم الاستعداد لمساعدتهم ومد يد العون لهم، لكنهم لا يستطيعون التعامل معهم لأكثر من 10 دقائق أحياناً، فالجد رافض لكل سلوك حفيده، والحفيد لا يسمح ولا يريد أن يسمع وجهة نظر الجد !!
من السهل أن نصرخ في وجه الصغار ونلومهم، ونبادرهم بالاتهام والهجوم، متناسين أن الكبار قد تربوا وفق نسق حياتي تأقلموا معه جسدياً وذهنياً وعاطفياً لعقود طويلة، وأن أي تغيير أو طلب بالتغيير يدفعهم نحو الاعتراض والرفض، وقد يدفعهم للاكتئاب في حالات كثيرة، إن هذا التأرجح، أو الاختلاف بين الأجيال يخلق هذه الفجوة، ويضاعف الأزمة، خاصة حينما تعيش الأجيال الصغيرة إشكالية القطيعة مع هويتها التي يفترض أن تمثل امتداداً طبيعياً لثقافة الأجداد أو الآباء، من هنا تتولد القطيعة والخلاف والصدام، فيفضل الآباء والأجداد الاختباء والاتكاء على الماضي، ويذهب الأحفاد الصغار والمراهقون إلى التماهي مع ثقافة أخرى مختلفة تماماً ومناقضة أحياناً لثقافة آبائهم وأهلهم !!
إن ظروف الطفرة والتنمية والعولمة وتدفق الفضائيات والإعلام الجديد جاءت لتصب في مصلحة أجيال اليوم الذين يعرفون كيف يتعاملون معها بمرونة، أما الكبار فما من أحد منهم إلا وتسمعه يشكو الجفاء وقسوة القلوب وتباعد الناس، ويتمنى جلسة الأصحاب القدامى، وليالي الأنس القديمة، واجتماعات العائلة الحميمة، ولذا فنحن مطالبون بأن نبحث عن مشاريع إدماج اجتماعي لكبار السن، فزيارات الأطباء ومرتب الشؤون الاجتماعية وحدهما لا يكفيان، يحتاج الكبار إلى أندية تنتشر بين الأحياء، كالحدائق تماماً، وإلى أنشطة في الهواء الطلق، كما يحتاج الشباب والصغار إلى برامج تنشر بينهم ثقافة استيعاب الكبار والتعامل معهم كواحدة من المهارات الحياتية الضرورية !


ayya-222@hotmail.com