كثير من الأسماء، هي فأل خير على أصحابها، وبعضها عكس معناها وأخرى معبرة بقوة عن البيئة بمعانيها الرمزية والدلالات القوية، كلنا نعلم ذلك؛ بل إن أسماء كثيرة عند بعض القبائل العربية مدعاة للعجب لندرتها وخصوصيتها لتلك القبيلة أو الأخرى، وهي مستمدة عادة من ظروف الحياة اليومية والتاريخية، ولكنها تظل جميلة ومحببة عند الآباء والأهل الذين أطلقوها على صغارهم، ويضطر صاحب الاسم أن يجد ألف مبرر لوالده أو والدته إذا كان اسمه غير جميل أو يحمل على التعجب والاستغراب عند الآخر.
من أجمل الأسماء التي أحبها لارتباطها بذاكرة جميلة أو لدلالتها القوية ورونق معناها، وربما لارتباطها في تصوري بمعنى العطاء والوفاء والتحدي هو اسم “ناصر”.
ومرد ذلك هذه الحكاية الصغيرة، عندما كنا صغاراً لا تتجاوز أعمارنا الخامسة عشرة، جاء إلى منطقتنا فتى في مثل عمرنا من عُمان، تركه أهله ليعمل “بيدار” في النخيل وعند عائلة تبنته كأحد أفراد العائلة، كان دوره المساعدة في بعض الأعمال بالمنزل، وشغله المكلف به هو ري النخيل، في الصباح نحمل كتبنا ونذهب إلى المدرسة، بينما يحمل ناصر دلوه ويذهب إلى سقي النخيل من أول طلوع الشمس، وفي فترات أخرى في المساء.
نعود في الظهر ليلعب معنا ناصر ويتصفح كتبنا وكراساتنا، نحن نفر من القراءة والكتابة والحفظ وترديد جدول الضرب، بينما ناصر يحفظ كل شيء أكثر منا نحن الطلبة.
عاش بيداراً مجتهداً في ري النخيل وأيضاً مطالعاً وقارئاً بصورة عجيبة لبعض موضوعات القراءة والتاريخ والجغرافيا والمواد الأخرى، يحاول أن يرسم مثلنا وهو أكثر منا حفظاً للقرآن الكريم لأنه تعلمه سماعاً في قريته العُمانية.
أحب ناصر العلم بشدة وقرر أن يذهب إلى قطر حيث إن هناك أقساماً داخلية وسكناً للطلبة مع توفير كل شيء لطالب العلم.
عاد ناصر بعد زمن، كانت المفاجأة أنه قد أنهى المرحلة الثانوية، بل هو على درجة التخرج في الجامعة.
بعد سنة من تلك الزيارة جاء ناصر يحمل شهادته الجامعية وأيضاً أصبح أكثر وعياً ومشاركة في الحراك الجميل في عُمان الداخل والساحل، كان نجماً محصناً بالعلم والوعي ومتجاوزاً أكثر من الأصدقاء الذين ظلت معرفتهم لا تتخطى الكتاب المدرسي، بل إن بعضهم انقطع عن الدراسة والتحق بالعسكرية ليحدد مستواه الفكري بين قيد حديدي وكلبشة الحديد، وبعضهم أصبح مطارداً كل فكر جديد ودافع إلى التغيير، هذا الجميل ناصر ذهب إلى عُمان ولم يعد بعد زيارات لنا في سنة عودته الأولى، لا أدري أين غاب ناصر!!، ولكن الشيء الجميل الذي فعلته أنني أطلقت اسمه على أحد أبنائي وفاء لذلك البيدار المكافح والواعي فكرياً والجميل في عُمان الحبيبة.
ظللت وحدي أعتقد أن اسم ناصر دائماً ما يذكرني بالمعادن الثمينة على الأقل في الأصدقاء الذين عرفتهم، مثل ناصر جبران، هذا الصديق الوفي المحترم جداً والصادق جداً في مسيرة دربه، كذلك ناصر الظاهري المجد في مسعاه نحو أن يكون أديباً لامعاً في الإمارات وهو حقق ذلك بجهده ومثابرته.
ناصر أيضاً يذكرني بالحرص الشديد والدقة والحذر وربما أشطر إنسان في الحساب والعد والجمع والضرب، يذكرني بذلك ناصر العبودي الذي يستطيع أن يتغلب على أكبر محاسب في شؤون التجارة وجمع الدراهم، هذا الصديق لا تعد من بعده، فهو والحرص على الدراهم أشقاء وتوأم، المهم أن اسم ناصر هو بشارة الخير.


Ibrahim_Mubarak@hotmail.com