هل يواجه إعلامنا العربي والمحلي تحديات حقيقية؟ نعم ذلك صحيح، فكل العالم يواجه تحديات من نوع ما في كل مجال، تحديات تواجه البيئة، الصحة، الأطفال، موارد الطاقة، الصحافة ... الخ، فعندما جاءت الصحف واخترع الفيلم السينمائي تطورت البشرية باتجاه آخر وتغيرت حياة الناس، وبعدها حل عصر التلفزيون فتعالت التحذيرات بأن هذا الصندوق السحري سوف يقضي على كل ما سبقه من إعلام، وخاصة الصحيفة التي لن تجد كما قيل قارئا يقبل عليها؛ لأن الكل سيكون مستلبا تجاه إعلام جديد ركيزته الصورة والخبر التلفزيوني المختلف، ومرت سنوات طويلة منذ ستينيات القرن الماضي حتى اليوم ولم تختف الصحيفة ولم يندثر الراديو، وحتى عندما جاء الإنترنت والكمبيوتر لم نصبح في اليوم الثاني لنشهد اختفاء أجهزة التلفزيون من منازلنا!!
لايزال الناس يستمعون إلى الإذاعة (ليس بنفس الاهتمام السابق طبعا)، ولانزال نقرأ الصحيفة كل صباح وكل مساء، وأيضا ليس بنفس الاهتمام والكثافة، ولايزال عدد كبير من الناس مرتبطا بشكل طقوسي بجهاز التلفزيون لم ينفصل عنه بالرغم من تناقص أعداد الأفراد الذين يجلسون حول الصندوق العجيب ضمن العائلة الواحدة، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات على الأقل!!
أين ذهب جمهور الإعلام التقليدي؟ لايزال يقرأ جريدته الورقية في صالون المنزل أو على طاولة المطبخ صباحا أو بعد تناول الغداء، ولاتزال السيدات يتابعن النشرة المحلية مع أزواجهن والمسلسل المصري بمفردهن، بينما يتابعن المسلسل التركي مع الأطفال عادة، هذه ممارسات سلوكية لاتزال موجودة في البيوت العربية، لكن العدد الأكبر من الجيل الجديد ليس موجودا في المشهد تماما، إنه يتابع مباريات الدوري الإيطالي والإنجليزي و.... على القنوات المشفرة بواسطة البطاقة المشفرة مدفوعة القيمة، بينما يحصل على أسعار مكالمات دولية مخفضة مع أصدقائه حول العالم عن طريق مواقع معينة على الإنترنت، ولا يتوانى عن الاتفاق مع فني الكمبيوتر من أجل اختراق البركسي التابع لمؤسسة الاتصالات للوصول إلى أكثر المواقع الممنوعة والمحظورة ببساطة شديدة.
لم يعد جيل اليوم يقتنع بالإعلام الذي يقدم له، فهو ليس كجدته ولا يفكر بمنطق والدته، ولا يشبه والده في شيء من طريقة التفكير، أنه يبحث عن المعلومة الصحيحة والخبر السريع والمادة الدسمة التي تحقق له إشباعا حقيقيا، وليس مستعدا أبدا لتضييع ساعات أمام جهاز لا يقدم له شيئا جديدا أو مفيدا أو مثيرا، والإثارة هنا ليس بالمعنى المبتذل ولكن بالمعنى الإيجابي، فمباراة في الدوري الإماراتي لا تبدو مثيرة لشاب في العشرين من عمره كمباراة في الدوري الإيطالي أو الإنجليزي، ومباراة الريال والبرشا ليست بإثارة مباراة بين الشعب وعجمان حتما.
هناك إذن تحديات خطيرة تواجه الإعلام، على مستوى المضمون، ومستوى المهنية، ودرجة تطور التقنيات وسقف الحريات المتاحة، إنها تحديات تواجه إعلامنا العربي والمحلي معا، وما لم يتم البحث عن مخارج للتغلب عليها، فإن الإعلام لن يختفي، قد تضعف وسيلة لصالح وسيلة أخرى، وقد تسحب وسيلة جمهور وسيلة أخرى لحسابها، لكن تصور العالم بلا إعلام فذلك من المستحيلات، لكن عدم الانتباه لاحتياجات الجمهور، قد يجعله يغادر بحثا عن إعلام أكثر تجاوبا مع احتياجاته.

ayya-222@hotmail.com