ميزة العمل الفني الراقي أنه يجعلك بعد أن تخرج من العرض، وكأن شيئاً جميلاً علق بأطراف ثيابك كالياسمين مثلاً، لا يدعك تعبر أو مثل نفحة عطر من ضوع أنثوي تكاد لا تفارق أنفك، أو لنقل ثمة شيء غير مرئي تشعر أنه يحتويك أو تفيض به روحك، وقد غير فيك أمراً ما، ثمة سعادة لا تعرف من أين أتت هكذا فجأة.. هكذا الرائي للعمل المسرحي الاستعراضي لأسطورة من الصحراء اسمها زايد والحلم، خليط من عمل متكامل بين السينما والمسرح، يرقى لإنسانية السينما، وإبهار العرض المسرحي، وقدر كركلا أن يصيغه بطريقته الاستعراضية الحيّة، موظفاً تقنيات المسرح وجماليات عرض الخشبة الطلق.
في هذا العمل الفني الرائع بداية قوية، وجريئة حين تتحول الخشبة لعرصة سيرك، ودخول خيّالة وخيول، وراوٍ يستمطر الحكمة والعبرة وأمجاد رجل مر من هنا، ولم يكتف، بل قال أنا ها هنا، فتمتلئ الشاشة بوجهه الذي كان كله خير، تسحبك الإضاءة الأخاذّة إلى قلب الصحراء لتعيش طقوسها الغرائبية، حين غلبت الحكمة السيف.
أما المشهد الختامي فهو الأقوى، والأكثر نجاحاً في نظري حين تختلط الشعوب بموسيقاها ورقصاتها مع بهجة الحياة لتؤديها منفردة، وفي الوقت نفسه متناغمة لتظفر بتلك اللوحة الجميلة التي يسودها الفرح والحب والجمال وبريق أمل بمستقبل آت.
وقد وصف المخرج إيفان كركلا هذا العمل “زايد والحلم” بأنه عمل مسرحي غنائي راقص يمثل دعوة للجمال والإبداع والحب والسلام، كما قدم مسرح كركلا رؤيته لهذا العمل، بأن نور الحق لا يطفأ، وأن الأبطال هم دائماً رجال قدر، يأتون كالشهب، يحفرون أبديّة في الزمان، ويغيّرون الحياة، والشيخ زايد رائد.. لم يكتفِ بأن يحمل على منكبيه عبء البطولة، وصنع المصير، بل صمم أن يكون البطل المنتصر، وانتصر لشعبه، حوّل السراب إلى ماء، رفض الاستسلام والركود، بنى دولة غدت أسطورة للزمن الحديث.
هذا العمل “الملحمي” كانت بدايته في أبوظبي، ثم انتقل إلى بيروت، ثم باريس، ثم سينتقل إلى لندن، وربما طوكيو، وهنا فرصة لنقول للناس، إننا كنا جزءاً من هذا الحلم، وأن المدينة التي آتين منها كانت جزءاً من حلم الرجل، وأن التواصل مع الشعوب كان أيضاً جزءاً من حلم زايد، أرادنا أن نكون متأثرين بالعالم، ومؤثرين فيه، وما حلمه إلا أن تطلع علينا شمس كل صبح ونحن شيء، وعندنا شيء، شيئاً نقوله، وشيئاً نصنعه، وشيئاً نولج به المستقبل، كان العمل أساس حلم الرجل، وقد كان، واليوم نحن معتزون بالتجربة، وننقلها إلى العالم وشعوبه، فقط لكي لا ننسى، ولكي نتذكر الرجل بفرح، ولكي يشاركنا من أراد أن يعرف همة بعض الرجال وتعبهم وهم يسابقون ظلهم، فكان الإعجاز في الإنجاز!


amood8@yahoo.com