صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الميتة المجانية!

الميتة التي أبشع من الموت، هي الميتة المجانية تلك التي لا يمكن أن تخطر على بال الإنسان في حياته الذي يظل الموت فيها قريباً، بعيداً، ننساه فتذكرنا به حكمة أمور الدنيا، نتناساه، فلا يغادر هاجس النفس أحياناً، الموت دائماً تذكرنا به نقيضته الولادة والحياة، وعلى مر التاريخ نجد كثيرين عاشوا دنيا من النعيم والبذخ، والمصاعب والأهوال لكن لم يكن يتصورون أن تنتهي حياتهم بطريقة مسرحية، وفانتازية أو بطريقة مجانية، بحيث حين نقرأ عن تلك الميتات وعن أولئك الأشخاص نكاد لا نصدق! فمن منكم يصدق أن طارق بن زياد مات شحاذاً متسولاً في شوارع دمشق، وهو ذاك المغامر الفاتح الذي أحرق كل سفنه، حيث لا خطوة مرتجفة للوراء، وهناك الكثير من الصحابة بعضهم تعرفون قصص موتهم، وبعضها نكاد نشكك فيه، نظراً لغرابتها ولا معقوليتها، ولعلني كتبت عنه أكثر من مرة منذ وقت بعيد،، مرة بعنوان”شهداء وقتلى ربما” ومرة أخرى بعنوان “التصفيات الجسدية النهائية”! الموت المجاني مثل ذلك الذي يكون في فرح الماء يستحم تحت خزان، ويسقط ذاك الثقل عليه، وليته كان فارغاً بل كل ثقل الموت فيه، فتكون طهارة وغسولاً مبكراً للرحلة إلى القبر، تكون في بيروت في خضم الرصاص، وتسديدات القناصة التي لا تخيب والقتل مشاع وعلى الهوية، فتنجو من كل ذلك، وتقول أي نهار هذا، وحينما تستقل الباص تكون نهايتك تحته، لرصاصة استقرت في صدغ السائق، هناك من مات حياً في جدار، بعدما صبوا عليه الحديد والأسمنت، جيفارا الثائر قطعوا أشلاء جسده في تلك الغابة التي يعتبرها مسرحه للنضال وحرب”الغوريللا”، شاه إيران لم يكن يتوقع أن تلفظه المنافي، وتضيق عليه الأمكنة ولا أحد يستقبله استقبال اللاجئين، وليس استقبال الأباطرة، ولا يجد مدفناً بحجمه ليستريح من موتة، مات فيها ألف مرة! تذكرت هذا الموت المجاني، حينما علمت بالحادثة التي وقعت صباح أمس في المنطقة الغربية، حينما اقتحمت شاحنة محملة بالحديد، خلوة عمال بسطاء يتناولون فطورهم، لتبعثرهم بطريقتها، وفي فم كل منهم لقمة لم يتمها بعد، وفي رأس أحدهم حلم بالعودة وتقبيل الزوجة والأولاد الذين كبروا بعيداً عن عينيه، وفي صدر آخر تنهيدة قاسية على نهاية في أطراف الصحراء، وربما في جيب بعضهم رسالة يود أن يبعثها للأهل البعيدين أو يصّر مالاً في ثنايا جيبه ليقوم بتحويلة الشهر التي عادة ما تكون متأخرة، وربما في الجيب الآخر نقّال رخيص جداً، لكنه يفي بمكالمات للأهل بين الحين والحين، سيبقى يرن أو يستقبل رسائل لن يقدر أن يرد عليها

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء