يكثر الحديث عن أزمة اليونان، وعلاقتها بتذبذب حركة العملات العالمية وتراجعها مقابل العملة الأميركية بصورة دراماتيكية، ولكن تعافي الدولار لم يبدأ الآن، بل هو مستمر منذ أشهر. فقد ارتفع الدولار أمام الجنيه الاسترليني 24% منذ بداية العام، وأمام الين بنحو 25% خلال الفترة ذاتها، ولكنه لم يظهر تلك القوة أمام اليورو، الذي بدا وكأنه آخر الصامدين قبل أن يتهاوى أمام تداعيات أزمة أثينا، وينخفض 2.5% منذ مطلع الشهر الحالي أمام الدولار، ولن يقف عند هذا الحد، والأسعار تتغير لحظة بلحظة. محلياً، هذا يعني انخفاض تكلفة مستوردات الإمارات من بريطانيا واليابان وأوروبا، بنفس النسبة خلال الفترة. كلما تحسن الدولار، يتحسن موقف الميزان التجاري الإماراتي غير النفطي في وقت تعتمد فيه الدولة على الاستيراد من الأسواق العالمية لتأمين 86% من احتياجاتها السلعية، والعكس صحيح، ولكن بالمقابل يقوض ذلك تنافسية الصادرات الوطنية، في ظل الارتباط بالعملة الأميركية الآخذة بالارتفاع، ناهيك عن تأثير ذلك على سوق التحويلات النشطة. المعادلة صعبة، والتكهن بما ستؤول إليه أوضاع سوق العملات العالمية أصعب، وما باليد حيلة، لأن سياسة الربط تحمل معها مخاطر التقلبات، التي قد تكون محسوبة في فترات الهدوء وتتحول إلى كابوس عندما تفقد الأسواق توازنها. الإمارات لا تتأثر مباشرة بأزمة اليونان، ولكن طالما تربط عملتها بالدولار، فهي تتأثر بكل شاردة وواردة تحصل في العالم، وبالطبع يكون الدولار الأميركي طرفا فيها بصفته العملة العالمية الأولى، ومسلسل الأحداث في الآونة الأخيرة خير دليل على ذلك. في محاضرته الخاصة بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، دعا مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق إلى العودة لقاعدة الذهب، والتخلي عن العملات الخاضعة لتقلبات السوق وأمزجة المضاربين، وهي دعوات لاقت صداها في عدة دول، لا سيما بعد الأزمة المالية العالمية التي غيرت ملامح المعمورة ماليا ولعبت بموازين القوى الاقتصادية كيفما شاءت. ورغم الضغوطات الدولية، ترفض الصين اللعب بنار سوق العملات، وتنأى باليوان عن عواصف التقلبات، ولذلك صمد التنين الآسيوي في وجه الأزمات، وحافظ على مكانته كأقوى مصدر في العالم. تجربة الكويت حالة تستحق وقفة للدراسة، فهي تخلت عن الدولار واتجهت لسلة عملات منذ بضع سنوات، واقتصادها شبيه بالاقتصاد الإماراتي إلى حد بعيد. هناك خيارات عدة غير الربط المباشر بالدولار من المفيد أن توضع في الحسبان، والدرهم قوي، ليس بحاجة إلى مساندة، بل في فترات يكون مقوما بأقل بكثير من قيمته الحقيقية. baha.haroun@admedia.ae