التلفزيون وسيلة إعلامية طاغية التأثير وشديدة الجماهيرية، ذلك مما لاشك فيه، وهو يملك من عناصر الجذب والاستحواذ ما يجعل تجنبه أو مقاطعته أمراً ليس بالسهل أبداً، كما أن سطوة الصورة وإبهار التقنيات الحديثة التي ترافقت مع ثورة تكنولوجيا الاتصال كتقنية التلفزيون عالي الجودة وثلاثي الأبعاد وغير ذلك زادت من الالتصاق به والاستلاب تجاهه، وهنا فإن تحول التلفزيون من وسيلة ترفيه وتثقيف وتسلية إلى ما هو أكثر، صار أمراً مؤرقاً بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بخطورة التقنية باعتبارها رسالة أولاً وليست مجرد وسيلة، وقد ظهرت أصوات عديدة تنادي بضرورة مقاطعة التلفزيون تجنباً لمخاطره، لكن من المؤكد أن هذا ليس حلاً على الإطلاق.
وحين ينتقد الكتاب برامج التلفزيون فهم لا يدعون لمقاطعة الوسيلة بقدر ما يؤكدون أن التلفزيون ـ والإعلام عموماً ـ ليس مجرد شركة تجارية تأسست للربح فقط، فهناك ما يعرف باتجاه المسؤولية الاجتماعية لهذا الإعلام، هذا الاتجاه يجب أن يبقى حاضراً وألا يغيب عن واضعي السياسات أبداً، وعليه يعتقد الناقدون أن نقد هذا الإعلام نقد مطلوب وضروري لأن التلفزيون يتمتع بجماهيرية طاغية لدى فئات عمرية واجتماعية مختلفة خاصة الأطفال والمراهقين، وهؤلاء يحتاجون دائماً لمن يوجههم ويفكك الخطاب لأجلهم إذا كان البعض يرفض منطق حمايتهم لأن الحماية أصبحت تشكل وصاية كما يقولون!
للتلفزيون تأثير حقيقي أثبتته الدراسات العلمية التي اعتنت بدراسة الجمهور، في مجتمعات أكثر تطوراً منا وأقدم في علاقتها بالإعلام الجماهيري، فقد ثبت علمياً أن التلفزيون انتقائي في تغطياته واعتباطي أيضاً، وهو لايقدم كل شيء ولا يقول كل شيء، إنه لا يقدم إلا ما يخدم توجهات من يوجهون أو يملكون القناة أو المؤسسة الإعلامية، وهو أمر طبيعي، فمن يملك يحكم ويتحكم وتحديداً حين نتكلم عن الإعلام والقنوات الخاصة أو المخصخصة.
لا نريد أن نوجه انتقاداً للتلفزيون لكننا استخدمنا هذا المنهج لندلل على مدى قدرة التلفزيون ـ إن أراد ـ أن يقدم برامج ومضامين أكثر رقياً واحتراماً لعقلية الصغار والكبار معاً، وأن الذين يصوغون رسائل التلفزيون عليهم أن يدركوا أن هذا الجمهور المرتبط بالتلفزيون لم يعد ساذجاً كما كان، وهو في الحقيقة لا يأتي إلى التلفزيون خالي الذهن أو منعدم التجربة، لذلك فالمشاهد ناقد ذكي، وهو ناقد أشد قسوة من نقاد الصحف، فإن كان كتاب الرأي يوجهون نقداً للقنوات بسبب ضحالة المحتوى الذي يقدم، فإن المشاهد يفعل ما هو أشد وأقسى وله الحق فيما يفعل، لأن بعض المضامين من التفاهة والخطورة بحيث يتساءل الإنسان من سمح بعرض هكذا برامج ولماذا؟
على الذين يديرون دفة البرامج ويعدون المضامين أن يتنبهوا لما يدور حولهم وفي العالم المحيط بهم، وسيعرفون أن هناك تغيرات دراماتيكية تحصل، وأن هناك قضايا ونقاشات تدور، وأن العالم يعاني من مشكلات بيئية وإنسانية وثقافية لابد أن يتم تسليط الضوء عليها ومناقشتها، والأهم عليهم أن يعلموا أن الدنيا ليست أغاني ومسابقات فن ومباريات فقط، بدليل أنه في كل التبدلات التي نعيشها اختفى كل هؤلاء الذين كانوا يحتلون الشاشات والبرامج ويسمون نجوماً ويملؤن الدنيا صراخاً، اختفوا وظهرت قضايا واهتمامات ونقاشات مختلفة تماماً.
عند مفاصل تاريخية محددة تختفي التفاهات لتفسح المجال للإنسان الحقيقي ليطرح أسئلته الكبرى حتى لو أن الفضاء العام لم يتسع له.


ayya-222@hotmail.com