رجل على الصراط المستقيم، كل ما يعمله في اليوم، هي الأشياء نفسها من قبل، ومن بعد، لديه نفس البرنامج، يرى نفس الوجوه، يتناول نفس الطعام، يسلك نفس الطريق، يرتاد نفس الأماكن، يلوك نفس العبارات اليومية الرتيبة، والتي عادة ما يستعملها بضجر، يقوم بنفس الواجبات المنزلية التي يعجز عنها، والتي تشمل المذاكرة للأولاد، يعطي نفس الوعود التي يمكن أن يعد أطفاله بها، والتي يتهرب من نصفها، ويلقي بالنصف الثاني على أمهم، يلتقي نفس الأصدقاء المملين كل مساء، يدفع نفس البقشيش الذي يدفعه عادة للحارس، ترده نفس الطلبات من نفس الموظفين، وهو يرفضها على الدوام، وهم لا يملون، يعاني من نفس نكد الزوجة، وطلباتها في الأوقات غير المناسبة، وأوجاعها الكثيرة والمتكررة، وأحلامها التي تكدّ في تفسيرها مع صديقاتها، وتعيدها عليه بعد رجوعه من العمل، وهو بنفسية متضايقة وغير مكترثة لا بها، ولا بأحلامها، لا يكتمل نهاره إلا بشرب نفس فناجين القهوة التي توصيه زوجته يومياً بعدم شربها، ويحرق نفس علب السجائر التي يحرقها، رغم ادعائه دائماً أنه يخفف منها الآن، يشكو نفس الأوجاع التي يشكو منها، وأي نغزة جديدة معناها عنده مرض جديد، يغرّ نفسه من نفس دواء الحموضة الذي يشربه عادة بعد كل ثلاثية القهوة، وسداسية أعواد السيجارة، يردد نفس الشكوى التي يشكو منها شهرياً أن مصاريفه أكثر من مداخيله، يسمع نفس أغاني “الترللي” التي يرددها في ساعة بسطه القليلة، ما زال يعجب بنفس الممثلات القديمات اللائي أصبحن كأكياس الرز الممتلئة، يضرب نفس وعود ومواعيد السفر التي لا يسافرها بأعذار عديدة، ومبررات واهية، يصحو على نفس الأحلام والكوابيس الليلية، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي بسم الله وينام، لتعاوده نفس الأحلام من جديد، يذهب لنفس الحلاق كل جمعتين في الشهر، يكرر عليه نفس الطلبات التي حفظها الحلاق، لا يشرب الماء إلا قليلاً، وحين يتذكر، لا يحب أن يتناول الفاكهة، ويبدو أنه نسي شكلها، ما زال يضيع في شوارع دبي إذا ما ذهب إليها، يكره إن خربت سيارته، ويتشاءم من مصفح، لم يدخل صالة للعرض السينمائي منذ هدم سينما الفردوس!
هذا الإنسان الذي يشبه نفسه، يخاف أن يأتي بشيء يغير برنامجه أو يخربط يومه أو يحيد به عن الطريق المستقيم، يريد كل شيء في الحياة أن يذهب على هونه، وفي عونه، لكن كم نحن قريبون من هذا الشخص أحياناً.. ونشبهه أو هو يشبهنا، وكم نحن بعيدون عنه كثيراً، بحيث لا يشبه إلا نفسه! تلك بعض أسئلة الحياة الجميلة.


amood8@yahoo.com