من جديد نعود للحديث عن برشلونة، التي تعد النموذج في كرة القدم، ليس فقط لما يحدث داخل الملعب، فهذا مفروغ منه، وإنما ما يحدث خارجه أكثر إبهاراً ومتعة، وكم تمنيت كما تمنى كل من سافر إلى هناك أن نرى مشاهد مثل تلك عندنا، خاصة أننا بحمد الله لا ينقصنا شيء، وما يتوافر لنا من دعم وصرف على البنى التحتية و«الفوقية»، ربما لا يتوافر لأي دولة في العالم. في طريقك إلى المباراة هناك، لابد وأن تمر بهذا الكرنفال الرائع من المحلات الرياضية التجارية.. ربما 20 أو 30 أو أكثر.. المهم أنك تسير وسط هذه المحلات التي تضم كل متعلقات كرة القدم، وكل ما يخص ناديك والأندية الأخرى.. الهدايا والفانيلات والأعلام وكرات القدم التي تطرحها شركات الرعاية بأعداد هائلة، وهو ما يحدث مع «التي شيرتات» وغيرها من الملابس والاكسسوارات.. أي شيء تحتاجه ستجده، والأهم أنك تسير وسط تلك الموجات البشرية، التي تمشي كما تشجع وكما تغني.. بانتظام مذهل.. لا تعلم كيف أجادوه بهذه السلاسة.. هل تدربوا عليه أم أنهم تربوا عليه؟ المهم أنك وأنت تسير وسط تلك المحلات التجارية، لا تعلم أين النادي.. فقط عندما تشاهد الملعب، تخرج من هذا العالم الساحر، لتلج في عالم آخر أكثر سحراً وإبهاراً، فكل ما في برشلونة آسر .. كل ما فيها ذكرى تستحق التسجيل .. من لحظة جلوسك على الكرسي المخصص لك، ومراقبتك أول من يأتي ليجاورك، ثم الحركات والأغاني والانطباعات .. عالم ثري بالتفاصيل لا يمكن أن تشاهده إلا في تلك المدرجات. وسلاسة الجماهير في الدخول والخروج إلى الملعب هي ذاتها سلوكهم أثناء التشجيع، فهم يغنون معاً ويتوقفون معاً، وينشدون لناديهم معاً، بالرغم من أنه لا توجد جمعيات للجماهير ولا قائد لها.. لكن هناك شيئاً خفياً يتصل بين الجميع، أو ربما هو إلهام «البارسا» الذي يدفع هؤلاء ليكونوا هكذا. بعد المباراة، الكل يختفي في دقائق، وتبقى أنت تشاهدهم وهم يختفون كأسراب الطير، تعبر فوق رأسك في موسم هجرتها في الشتاء.. حين تعبر وتتابعها لدقائق قبل أن تختفي.. هكذا المشهد، وحين تخرج، تخشى أن يعوقك الزحام عن الوصول إلى وجهتك، فإذا بالأمور عادية، والجماهير قد مضت إلى حال سبيلها، وربما لم يعد هناك سوى أنت تقف وقد عقدت الدهشة لسانك، لأنك أنت وحدك الذي لا يعلم ماذا يجري. إن كان من شيء مستفاد أسوقه لأنديتنا-وجميع من فيها بالطبع ذهبوا إلى هناك عشرات المرات- فقد سبق وأكدت عليه، وهو ضرورة أن تكون أنديتنا مؤسسات اجتماعية رياضية، وأن تفتح أبوابها أكثر للجمهور، وأن تتيح لهم الرياضة كما تتيحها لبقية فرقها.. وأن تتوسع في إنشاء مشاريع إضافية تلبي احتياجات الأسرة، فيأتي الأب مصطحباً أبناءه ليجد كل منهم ما يريد في أحضان ناديه. أعلم أننا كمجتمع نختلف تماماً عن المجتمعات في أوروبا وأن لدينا سياجاً من القيم والأعراف لا تقبل المساومة، ولكن من قال إن الحلول تأتي دوماً بالقفز فوق الأعراف.. بالعكس بإمكاننا أن نصنع نموذجاً مذهلاً.. المهم أن تتوافر الإرادة والرغبة، وأن نعلم ماذا يريد المجتمع، وماذا تريد الأسرة، التي سيسعدها بكل تأكيد أن تجد في ناديها خيارات تلبي رغبة الجميع. كلمة أخيرة: من اكتفى بالمشاهدة لم يستفد شيئاً mohamed.albade@admedia.ae