توعك الطيار محمد بالخير مؤخرا فقلقت عليه لارتباط روحي بروحه فهو أخ طالما تمنيته زوجاً (منذ صغري) لما هو عليه من رهافة حس وآدمية. وكنا في صالة القلق عندما فتحت الممرضة الباب لتقول: هل منكم من ينتظر بالخير؟ فهرعنا إلى حيث هو للاطمئنان عليه و كانت بهجة عظيمة أن رأيت عينيه وفرحت بنظرته وإن كان مرهقا. وقفنا ننتظر والطبيب على الهاتف يدلي بتصريحات و يأمر و كان مثالا لمن يكون “واثق الخطوة يمشي....” وما أن زار الملل وجدان الممرضة حتى قالت: دكتور أهل بالخير مازالوا موجودين؟ فقال لها من موضعه و جميع أجزاء ظهره شاهرة أرقام تسلسلها ومركزها على سفح العمود الفقري: “So what, let them wait!!” فكانت كلحظة اختلاط القهوة بالحليب... فتساءلت في خاطري هل له بهذا الرد لو كان أخي مدير المستشفى أو حتى أحد أقربائه؟ وقبل مناورات الذات ومجازفات الأفكار مر على بالي مثلنا الشعبي “إن يتك عويا من سفيهٍ فخلها و إن يتك من غير السفيّه فساّل”
وبعده بيومين جاء هاتف الضحى يبشرني بأنني أصبحت “عموه عائشة” و إن الإضافة هي رضيعة قررت زيارتنا في موعدٍ غاير المتوقع وما خطط له الأطباء. وجاءت إشكالية الاسم الذي تحمله... هل يعتمد على مفاهيم رد الجميل أم لتعزيز كبرياء الوالدين حتى يكنوا بما يعكس ملكيتهم للطفل وينسون قواعد أساسية في التسمي بمن سبق ومن نحب و نحترم فالاسم يوحي بصفاتٍ قد يكتسبها المُسمى عندما يرتبط اسمه بسميه وبذلك يتعزز النسب وأواصر الانتماء. وعندما زرت الرضيعة قلت لأهلها: الحمد لله تشبهنا بدليل وقوف أنفها شامخا اليوم. فردت صاحبة النذر: “يعني...!” وعندما احتضر الرد اختصرت جلال الوقت وقلت في خاطري “إن يتك عويا من سفيه فخلها و إن يتك من غير السفيه فساّل”
وجاءت عطلة نهاية الأسبوع حيث نجتمع بأرحامنا ويحترم الكبير الصغير ويرحمه لما سيواجه في المستقبل المجهول وفي هذا اللقاء تتطرق العائلة لمجريات الأيام كما لو إن هناك برنامجا شخصيا أسبوعيا اسمه “عائلتي في أسبوع” وجاءت لحظات لم نفعل بها شيئا سوى الضحك حتى غرقت أعيننا بالدموع وتداعت عضلات خصورنا ألما وتعثرت جميع السبل في تحديد الشخص الأثقل دماً من بين أفراد عائلتي فجميعهم مبدعون في الحديث و في انتقاء ما يضفي على الحوار رونقاً و”فنتق”. فحمدت الله “لا عويا و لا سفيه!!”
وفي خلوة قريبة حاولت جاهدة فهم هذه الوقائع واستنتجت أن الجذور هي تلك العلاقات التي تعلقت جدران القلب كعلاقتي بأخي والنذور هي العلاقة التي تربطنا بمشيئة الله و أمنياتنا أما البذور فهي كل شيء آخر تسلل إلينا وكبر معنا و أثمر لمقدرته مسايرتنا فالبذور قًدَرٌ من الله كأبنائنا الذين أنعم بهم علينا حتى نخوض معهم معترك الحياة ونحيك بهم تفاصيل الذاكرة ونغزل منها نسيجا نجلس على بسطه متى ما استرخت هواجسنا و علقنا الحنين على حبال الأمل.
وتذكروا مثلنا الشعبي “من قدّم الحسنات استوفى الجمايل”.


Bilkhar@hotmail.com