يرتاح المتفائل من النوع الأول من انفعالاته المقبضة ويتناول غذاءً صحياً ويخرج مع أصدقائه مدججاً بأجهزة الهواتف، يتجولون بالسيارة الفارهة! أما المتفائل من النوع الثاني فإنه لا يدرك تفاؤله كموقف بل كسلوك مكتسب يولد من عدم الاهتمام أصلاً وتربية، بأي أمر أو أية أحداث لا تدخل المحيط الشخصي المباشر لحياته. وهو هذا الذي يفتح الإذاعات منذ الصباح الباكر بحثاً عن الأغاني المرحة، ومؤشر التلفزيون بحثاً عن البرامج الخفيفة المسلية والمسابقات ذات الجوائز واليانصيب، والتي أصبحت العمود الفقري لمحطات الأرض والفضاء العربية.. ويقضي وقت فراغه في التسكع في المجمعات الاستهلاكية التسوقية ويجري مكالماته الهاتفية الشديدة الأهمية أثناء قيادته السيارة. ويوزع أرقام هواتفه على النساء العابرات! والمتشائم أيضاً نوعان: النوع الأول هو ذلك الذي -لأسباب شخصيه بحتة- ينخر الحقد والحسد شرايينه.. يطمع في منصب أعلى ورصيد أوفر. وهو دائم التذمر لأنه يرى أنه يستحق أكثر من غيره. وتشاؤمه منبعث من رؤيته حاله أقل مما يبتغي. وهذا النوع من الناس مهيأ أبدا لاقتراف كل رذيلة تحط من قدر الآخرين وتعلي من قدره! أما المتشائم من النوع الثاني فهو ذلك الذي يتميز بحساسية مفرطة ووعي حاد -يشرطه قبل أن يشرط غيره- وهو يرى أن ما يقع من كوارث وأحداث مفجعة وحروب وفقر وأمراض هي نتائج لأسباب ليست خفية تماماً على معرفته. وإن لكل علة سبباً ولكل مسبباً. وهو كل ما تابع ما يحدث اشتد إحساسه رهافة ووعيه حدة بالحصار والعجز. وهو يعرف أيضاً أن عجزه نتيجة وليس طبيعة فيه. وحين يرى المصائب تترى يصاب بإسهال عصبي وقرحة معدة وقولون مضروب وقد يصاب بالشلل أو السكتة الدماغية! وهذا النوع من المتشائمين يكون في حالة توتر دائم لا يملك معه أن يستمع إلى التفاهات أو يرى ما هو سطحي -وفق منظوره ووعيه- إذ أنه يظل قابضاً على جمرة حزنه محترقاً بها. ومنقباً في العمق عن حلول ومعالجات يعتقدها، وكأنه معني بما يحدث وما سوف يحدث. وهذا الإنسان يربط بين الشخصي وبين العام ربطاً عضوياً يميل به نحو التوحد والغربة والعزلة -لإحساس بالحصار والتهميش- وقد يبتكر وسيلة تعبر عن أساه العميق دون أن يأمل -في الراهن- حتى بجدوى هذه الوسيلة ولكنه يمارسها لإيمانه المفرط بالحياة والخير والعدل والنبل وحق البشرية في كل هذا. وفي قمة تشاؤمه هذا يكون كحيوان الخلد يحفر أنفاقه عميقاً ولا يأبه كثيراً إذا ما هدمت الأنفاق فسوف يحفر مرة أخرى. إنه إنسان بوعيه العميق يبصر، وبإيمانه العميق يحفر، لكنه ذلك المعرض للموت فجأة وليس للفناء.. ومثاله أولئك المفكرون والمبدعون الذين يحترقون ليضيؤوا ما حولهم.. أولئك الذين أسسوا للحضارات والتطور.. أولئك الذين آمنوا بمقولة «غرامشي»: تشاؤم العقل.. تفاؤل ألإرادة! هكذا نرى أن ليس كل تفاؤل خيراً وليس كل تشاؤم شراً!! hamdahkhamis@yahoo.com