الدخول المرتفعة التي يحظى بها كثير من شباب الإمارات هذه الأيام والذين أنعم الله عليهم بالعمل في مؤسسات حكومية كبيرة وذات موازنات ضخمة ومشاريع هائلة، ساهمت في الارتقاء بحياة هؤلاء الشباب أولاً ومنحت كثيرين غيرهم أملاً في أن يحظوا ذات يوم بفرص عمل مشابهة في مؤسسات مشابهة تمنح مرتبات يحلم بها أي موظف في العالم، وهذا حسب معرفتي دفع بالكثير من الشباب للعمل بجد من أجل الحصول على شهادات جامعية عليا وعلى دورات تدريبية وفرص لصقل القدرات التنافسية التي توفرها بعض المؤسسات الخاصة، كما عمل غيرهم على تحمل نفقات أسفار مكلفة من أجل حضور معارض ودورات لغة ومهارات مختلفة.
هذا كله يقودنا إلى عدة استنتاجات أهمها: أن الصورة النمطية حول الشباب الكسول والمتقاعس والمفتقر إلى روح التطوير والطموح والهمة العالية، هذه في الحقيقة صورة نمطية أكثر من خاطئة بل هي أقرب للخطيئة الثقافية التي كرستها بعض الأطراف المتضررة من وجود المواطن في مراكز القرار الوظيفي ومنافسته في سوق الوظيفة الخاصة تحديداً، أما ثاني الاستنتاجات فيتعلق بالإعلام الإماراتي الذي بقدر ما يحاول استقطاب العناصر الشابة الإماراتية ضمن طواقمه العاملة إلا أنه لم ينتبه بعد إلى خطورة هذه الصورة السيئة، بدليل أنه لايحاول مقاومتها وتصحيحها وتفنيدها ضمن برامجه المختلفة.
وهنا، فإننا نتمنى أن تتحول قضايا الشباب مع الوظيفة وإشكاليات البيئة المنافسة إلى برامج دائمة ومستمرة لتحقيق التوعية بقضايا المجتمع وتبني قضايا الشباب التي هي في النهاية قضايا المجتمع، حيث إننا نعاني في مساحة واسعة من بثنا التلفزيوني من نقص شديد في منسوب التوعية والتبني المستمر للقضايا الاجتماعية كقضايا الشباب والأطفال والنساء، وهي بالمناسبة قضايا تنمية وتمكين وتطوير تصب في نهاية الأمر في صالح العلاقة مع الدولة الوطنية، وفي صالح الولاء للمجتمع وتكريس قواعد المواطنة الحقيقية وبشكل عملي.
مطلوب من الإعلام اليوم أن يتبنى قضايا هؤلاء الشباب بشكل كامل وأن ينحاز إليها ويدافع عنها، بدل الانحياز إلى قضايا لا تخدم المجتمع كثيراً بقدر ما تهدر وقت التنمية وخططها لصالح لاشيء تقريباً، ذلك أن قضايا شبابنا أولى بساعات البث المكلفة هذه، كما أن استقطاب هؤلاء الشباب واستيعابهم إعلامياً يخدم بشكل مباشر استراتيجية التوطين من حيث المبدأ، ومن ثم الاعتناء بتطوير قدراتهم التنافسية في مجال حيوي ومتسارع النمو لا يمكننا أن ننافس فيه ولا أن نبرز خارج إطار الاحتراف والمهنية التي لا تتكون إلا بالتدريب والاحتضان والرعاية لهؤلاء الشباب الواعدين.
إن وجود هؤلاء الشباب في قلب صناعة الإعلام خير رد على الصورة السلبية التي روجها البعض حول شبابنا، كما أنه سيضاعف من اهتمام الإعلام بالقضايا المجتمعية بواسطة هؤلاء الذين سيحملون رؤية مجتمعهم وقيادتهم ومواطنيهم بشكل أفضل وأكثر انتماء وهذا أمر طبيعي جداً، ومعروف في كل الدنيا، ذلك أن أهل مكة أدرى بشعابها في كل زمان ومكان، دون أن يكون في هذا الكلام أي إساءة لأحد بقدر مافيه تحفيز لأبنائنا وشبابنا، ليأخذوا مكانهم ويعطوا وطنهم أفضل ما عندهم وهم بلاشك قادرون على ذلك، في ظل قيادة رشيدة تؤكد إيمانها بهم دائماً وأبداً.


ayya-222@hotmail.com